جرد الحساب

بقلم الشيخ كمال الخطيب

إنتبهَ أحدهم وقد بلغ من العمر ستين سنة، فما أحسّ إلا والشيب يغزو رأسه والعلل والأسقام تنهش جسمه، فأخذ يراجع نفسه ويحاسبها كما يحاسب الشريك شريكه، فقال لنفسه: لو أنني عصيت الله في كل يوم مرة واحدة لكان اجتمع عليّ من الذنوب 21900 ذنب، هذه كلها ذنوب سألقى بها الله، فأخذ يبكي وينتحب ويقول واخجلاه وافضيحتاه إن لم يغفر لي ربي.
فاعمل لنفسك يا أخي ويا أختي جرْد حساب، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتهيئوا ليوم العرض على الله تعالى.
وحتى لو أننا حذفنا من أعمارنا خمسة عشرة عامًا هي ما قبل سن الرشد والبلوغ، حيث يرفع عنا فيها القلم، فلا نعاقب على ذنوبنا وهذا من رحمة الله بنا، إلا أنّ ما يتراكم من ذنوب وما يسطر في صحائفنا فإنه كثير.
#يا ابن السبعين وإن كان الله قد تجاوز عن خمسة عشر منها إلا أن ذنوبك في 55 سنة قد تبلغ 20075 ذنبًا، هذا إذا لم تذنب في اليوم إلا ذنبًا واحدًا. وأنت يا ابن الستين فإن في حسابك 16425 ذنبًا. وأنت يا ابن الخمسين فإن في حسابك 12775 ذنبًا. وأنت يا ابن الأربعين فإن في حسابك سيكون 9125 ذنبًا.
#وإذا كان هذا جرد حساب لمن يذنب في اليوم ذنبًا واحدًا، فكيف ونحن الذين تلّفُنا الذنوب وتغرقنا، بل لعلي لا أتردد بالقول أن يدلّوني على من لا يذنب في اليوم إلا ذنبًا واحدًا حتى أقبل رأسه بل يديه بل رجليه، لأنه في نظري من الأولياء الصالحين. ورحم الله من قال: “إنّ من لطف وستر الله علينا أنه لم يجعل لذنوبنا رائحة، وإلّا فإنه لو كان للذنب رائحة لافتضحنا وانكشف سترنا ولكنه الله الستار.
وإذا كان صاحب الحانوت أو أي مصلحة تجارية مع نهاية كل عام وبداية عام جديد فإنه يجري جرد حساب للسنة المالية الماضية، فيها يقيّم عمله وما عليه من ديون أو ماله من مستحقات عند الآخرين، ويقدر ما في حانوته أو شركته من ممتلكات من أجل أن يبدأ سنته الجديدة برؤية واضحة، ومحاولًا أن يطوي سجلات حانوته أو شركته وهي على أتم ترتيب ليضمن بذلك النجاح ويتجنب الخسارة.
فإذا كان هكذا يعمل التاجر الناجح مع تجارته مع الناس، فكيف لا يعمل أحدنا هذا في تجارته مع ربه سبحانه وتعالى، وحيث الخير كل الخير والربح كل الربح هو لنا نحن لأن الله سبحانه غني عنا وعن العالمين.
فهيا إلى الحساب نطوي صفحة العام الماضي بتوبة صادقة وعزم أكيد على أن نمضي في طريق التوبة والاستقامة وخدمة الإسلام ونصرة الدين.

رحم الله قارئًا دعا لنفسه ولي ولوالديّ ولوالديه بالمغفرة والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

شاهد أيضاً

خطاب المعركة: ثقة وانسجام المقاومة وخلافات الاحتلال

شهدنا في الأيام الماضية جملة من الخطابات صادرة عن قيادات فلسطينية وصهيونية حول الحرب في غزة. وبينما طغى السجال العلني على خطابات كل من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت، اللذين ينتميان لحزب واحد، هو "الليكود"، فقد تميّزت المقاومة الفلسطينية بانسجام وثبات وثقة خطاباتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *