صفحات مشرقة من الأندلس

المصدر الجزيرة بتصرف

قبل الخوض في ماعمله الأجداد في الأندلس نذكر بهذه الآية. يقول الله تعالى في سورة يس: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ) (يّـس32،34)
أقر الله سبحانه في هذه الآية انه هو الذي يحي الأرض وهو الذي يخرج الحب ويجعل الجنات ويفجّر الأنهار. فهو المزارع الحقيقي على الإطلاق والإنسان مجرد وسيلة. فالله سبحانه نسب الثمر إليه فقال “من ثمره”، إذن فهو المالك الحقيقي وفي الآن نفسه أكد على حقيقة أخرى وهي دور الإنسان وأهمية جده واجتهاده فقال : وما عملته أيديهم”.

في القرنين الخامس والسادس الهجريين ظهرت أكبر وأهم نواة للرسائل الزراعية مثل رسائل ابن وافد وابن بصّال وأبي الخير وابن حجّاج والطغنري وابن العوّام. كان ابن بصّال واحد من أهم علماء الزراعة في الأندلس، وكان مشرفًا على حديقة نباتات الأمير المأمون في مدينة طُليطلة، على أن سقوط المدينة في يد الإسبان سنة 477هـ/1085م اضطر ابن بصّال للهجرة جنوبًا إلى إشبيلية حيث انضم إلى خدمة أميرها المعتمد بن عبّاد الذي أعانه بكل ما أراد، وترك له حديقة قصره لاستكمال ما بدأه في طُليطلة، بل استطاع ابن بصّال أن يستقطب حوله مجموعة من الشخصيات التي لها اهتمامات علمية متقاربة دانت له بالمهارة وعدّته أستاذًا لها؛ اعترافًا منها بمعارفه الزراعية الجمّة.

إن من الحقائق التي لا شك فيها أثر المسلمين في الزراعة الأندلسية؛ فإن كثيرًا من الغُزاة تخلفوا عن إخوانهم، واستقروا في تلك الأرض وزرعوها، ومن المعروف أن العرب حولوا وديان إسبانيا المجدبة إلى حدائق ورياض زاهرة، ونقلوا إليها مختلف الغراس من المشرق، وأنشأوا بها القناطر العظيمة. وقد حمل هؤلاء الغزاة المغامرون إلى جنوب فرنسا كثيرًا من خبرتهم الزراعية، ولقنوها لسكان تلك الأنحاء. ويقال إن “القمح الأسمر” الذي هو الآن من أهم محاصيل فرنسا إنما هو من مخلفات العرب، وهم الذين حملوا بذوره، وكانوا أول من زرعه بفرنسا، والمرجح أيضًا أنهم هم الذين حملوا فسائل النخيل من إسبانيا وإفريقية إلى شواطىء الريفييرا.

فماذا عملنا نحن؟

شاهد أيضاً

خطاب المعركة: ثقة وانسجام المقاومة وخلافات الاحتلال

شهدنا في الأيام الماضية جملة من الخطابات صادرة عن قيادات فلسطينية وصهيونية حول الحرب في غزة. وبينما طغى السجال العلني على خطابات كل من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت، اللذين ينتميان لحزب واحد، هو "الليكود"، فقد تميّزت المقاومة الفلسطينية بانسجام وثبات وثقة خطاباتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *