الإرهابُ للشعوب والتطبيعُ للأنظمة

بقلم : محمد هنيدي

لسائل أن يسأل ما علاقة الإرهاب بالتطبيع وما الخيط الذي يصل بين عمليات ذات طابع مسلح وبين سياسات الدول الهادفة إلى إحلال السلام كما يزعم منظرو التطبيع مع الكيان الصهيوني؟ أول الملاحظات المنهجية تتمثل في أنّ أخطر التحديات التحليلية إنما تتمثل في القدرة على ربط الظواهر بعضها ببعض مهما اختلفت وتباينت في الظاهر وخاصة إذا كانت مندرجة في نفس السياق. 

الإرهاب هو معزوفةُ الحالة

السياسية التي يعيشها العالم منذ حرب الخليج الثانية التي نتجت عن غزو نظام صدام للكويت وما تلاه من أحداث. تطوّر الإرهاب إلى شعار حرب كونية جعلت منها الإدارة الأمريكية مفتاحا لغزو المشرق العربي من جديد بعد هجمات أيلول (سبتمبر) 2001 التي حدثت بمعجزة انصهر فيها فولاذ ناطحات السحاب بقدرة قادر وبنار تشبه نار موقد الخبز. يعيش الإرهاب منذ 2011 ثالث أطواره التاريخية بعد استنهاضه من قبل القوى الإقليمية والدولية لمواجهة ثورات الشعوب وتطويع التهمة التاريخية لتبرير جيل الحروب الجديدة. 

لكنّ السياق الجديد يتميز بخلاف سابقيه بأنه يندرج ضمن مسار تطبيعيّ مختلف تمام الاختلاف عن المسارات التطبيعية العربية السابقة منذ 1978. حيث تمثل المبادرة الإماراتية المدعومة سعوديا مؤشرا جديدا على تحوّل كبير في تاريخ العلاقات العربية الصهيونية منذ احتلال فلسطين وإعلان دولة الكيان في 1948.

الإرهاب والتطبيع

لن نخوض في تعريف الإرهاب لأنّ أهم ما يميزه هو أنه عصيّ عن التعريف بل يمكن اعتباره أكثر المفاهيم والمصطلحات السياسية التي أراد له صانعوه أن يكون خارقا للتحديد متجاوزا للمفاهيم ليّنا قابلا للتوظيف والحضور في كل زمان ومكان. لكنّ هذه المرونة لا تُعفيه من إخفاء خصائص يكاد ينفرد بها اليوم وهي أنه يتعلق بالعرب والمسلمين والإسلام عامة أكثر من تعلقه ببقية الأديان والمجتمعات والشعوب والأفراد. فكأنّ المصطلح قُدَّ خصّيصا لهم ولنعت عالم الإسلام والمسلمين وتصنيفهم تحت هذا الصنف. وقد تطورت دلالته عبر مراحل: من الإرهاب في طور أوّل ثم إلى الإرهاب الإسلامي في طور ثان لنصل اليوم إلى الطور الثالث وهو طور الإرهاب السُنّي. تضيق الدوائر وتتقدّم نحو المركز لتفضح الهدف الأساسي من وراء الحرب الأمريكية الامبريالية على المنطقة العربية والمستهدف من ورائها. 

أمّا التطبيع فهو سلوك ونزعة سياسية تخصّ النظام الرسمي العربي الذي ما فتئ بعد هزائم الجيوش العربية المتتالية أمام العصابات الصهيونية في الانصياع لمعادلة التطبيع مقابل العرش. صحيح أنّ الأنظمة العربية لم تُقاتل يوما بل كانت تدفع إلى الهزيمة وهي تعلم بها لكنّ ضغط الشعوب خلال الخمسينات والستينات كان قويا ودافعا نحو مواجهة العدوّ. وبعد أن فتح السادات باب التطبيع هرول كثيرون إلى النسج على منوال مصر في الأردن ثم في أوسلو إلى حدود المعاهدات الأخيرة علما بأن كل الدول العربية تقريبا تملك علاقات سرية أو علنية مع دولة الكيان. 

التطبيع قديم والإرهاب جديد لكنّ التسميات مضللة لأن مفهوم الإرهاب إنما ينطبق أول ما ينطبق على الجرائم الصهيونية في فلسطين والتي تضمنت القتل والتهجير وجرائم الإبادة وهو ما يجعل من الدولة الصهيونية دولة إرهابية بامتياز.

التطبيع الجديد والإرهاب المتجدد
 
إنّ أهم ما يميّز موجة التطبيع الجديدة أنها قائمة على ثلاثة خصائص: أول هذه الخصائص هي السياق الذي تندرج فيه فكما كان سياق تطبيع 1978 خاصا وكذا كان تطبيع التسعينات مع اتفاقية أوسلو خاصا كذلك فإن سياق التطبيع اليوم مع الإمارات يعتبر خاصا جدا. يتميز هذا السياق بانحسار الموجة الأولى لثورات الربيع وعودة نسق الانقلابات وانتشار الفوضى الناجمة عن القمع الدموي الذي وُوجهت به الاحتجاجات الشعبية. سياق الطور العربي الجديد هو سياق تحاول فيه الشعوب التحرر من الأنظمة القمعية التي  حكمتها طيلة أكثر من نصف قرن وهي الأنظمة المسؤولية عن انهيار دول المنطقة وتمدد الكيان المحتل في فلسطين.

ثاني هذه الخصائص تتعلق بالطرف المطبّع نفسه وهو هنا دولة الامارات التي قادت موجة الثورات المضادة وكانت أبو ظبي الغرفة التي أشرفت على المسارات الانقلابية بدْءا بالانقلاب المصري. أي أنّ الدولة التي تقود الانقلابات هي نفس الدولة التي تقود قطار التطبيع ومن ورائها الدول المتحالفة معها وهي أساسا مصر والسعودية والبحرين ودول الأنظمة المعادية لثورات الشعوب. هناك إذن خيط رابط بين التطبيع والهرولة إلى تلّ أبيب من جهة وبين قمع الثورات العربية وإغراق المنطقة في الفوضى والحروب الأهلية ومنع الثورات من إنجاز التغيير الذي انطلقت لأجله والتخلص من إرث الاستبداد.
 
الإرهاب الذي توصف به الشعوب هو سلاح الاحتلال والاستبداد لتركيعها ومنعها من تحقيق الحرية والكرامة التي من أجلها دفعت آلاف الشهداء خلال الثورات الأخيرة.
 

 
ثالث هذه الخصائص يخصّ علاقة الإرهاب بالتطبيع، حيث مثّل الإرهاب ومحاربة الإرهاب الذريعة الرئيسة التي رفعها دعاة الانقلابات وقمع الثورات لتبرير القمع الدموي الذي تعرضت له المدن والقرى الثائرة. انقلب السيسي على الرئيس الشرعي محمد مرسي ثم تمت تصفيته وتصفية نجله من بعده وحرق الجثث في الشوارع وسجن آلاف الأبرياء تحت شعار الحرب على الإرهاب. استعمل بشار الأسد في سوريا القنابل العنقودية والغازات السامة والبراميل المتفجرة ضد المدنيين من أجل القضاء على الجماعات الإرهابية. أما في ليبيا فقد جلب الانقلابي حفتر كل أنواع المرتزقة والجيوش الخاصة لغزو العاصمة طرابلس والقضاء على الجماعات الإرهابية هناك.
 
لكنّ فشل كل هذه المحاولات الانقلابية وبقاء المطالب الشعبية قائمة الأمر الذي يهدد بتفاقمها وبلوغها منطقة الخليج هو الذي دفع دولة الإمارات إلى الهرولة نحو دولة الكيان لتحتمي بها من أمواج التغيير القادمة. إن مشروع الإمارات والدول المتحالفة معها والذي يُسمي مشروع الشرق الأوسط الجديد ليس إلا محاولات استباقية لمنع نجاح الموجات الثورية القادمة وتغيير المعطيات على الأرض بشكل يجعل من عمليات التغيير أمرا عسيرا.
 
لهذا فإنّ تهمة الإرهاب التي تسوقها دولة الكيان ضد العرب والمسلمين في فلسطين وفي كل مكان من العالم ليست في الحقيقة موجهة ضدّ الأنظمة القابلة لصفقات التطبيع بل هي موجهة بالأساس إلى الشعوب الرافضة للتطبيع والنازعة نحو الحرية والانعتاق. الإرهاب الذي توصف به الشعوب هو سلاح الاحتلال والاستبداد لتركيعها ومنعها من تحقيق الحرية والكرامة التي من أجلها دفعت آلاف الشهداء خلال الثورات الأخيرة.
 
ثنائية الإرهاب والتطبيع هي واحدة من أهم الثنائيات القادرة على تفكيك تطورات المشهد العربي المتسارع، حيث تتحرك الفواعل في تناسق لا يَخفى نحو هدف واحد يتحالف فيه النظام الرسمي العربي مع المحتل الغاصب. هذا التطور الأخير هو في الحقيقة إعلان عن انتهاء مرحلة من تاريخ الأمة وبداية مرحلة جديدة ستكون حتما مختلفة عن سابقاتها