العجز عن الاختيار.. كيف تتحول الوفرة إلى نقمة؟

يوسف بوحامد
كوتش مستشار

نعيش اليوم ثورة في الإنتاج ووفرة في جميع المنتوجات، نعيش إغراقا للأسواق والمستهلكين بأعداد هائلة من الماركات والموديلات من الألبسة والأغذية والزينة.. بين الضروريات والكماليات. فما هو تأثير هذه الوفرة على الإنسان؟ وكيف تؤثر عليه؟ وهل تحقق له الراحة التي تعده بها أم أن الأمر مجرد تجارة وتسويق؟

صاغ المفكر الأمريكي ألفين توفلر في كتابه الشهير (صدمة المستقبل) لأول مرة مصطلح (فرط الاختيارات)، ويصفه بأنه عملية إدراكية يعاني فيها الأفراد من صعوبة تكوين رأي أو تحديد قرار عندما يكون أمامهم أكثر من خيار مناسب. فتتحول وفرة الإختيارات ؛ التي يفترض بها أن تكون إيجابية؛ إلى نقمة تجعل المرء مرتبكا وعاجزا عن اتخاذ أي قرار من أي نوع.

يؤكد فرع علم النفس الذي يدرس سلوك المستهلكين أن الزيادة المفرطة في فرص الاختيار تكاد تخرجنا عن صوابنا وتجمد عقولنا وتمنعها من التفكير! فعلى سبيل المثال، يقول الدكتور النفساني كارل موغ: «إن الإمكانية اللامحدودة في تحقيق الرغبات تؤخر النمو الذهني للأطفال وتجعلهم طفوليي التفكير، وإن كبروا، وهذا ينطبق تماما على البالغين وبشكل سريع. في هذه الحالة، ومن وجهة نظر تجارية، يصبح الناس عديمي الاهتمام ويصابون بالسمنة والخمول مثل الإوز الذي يعلف لغاية التسمين! إنهم يفقدون القدرة على اتخاذ القرار، يصبحون بلداء عديمي النشاط لا حافز لديهم للعمل، يصبح كل شيء لديهم مملا». كما يقول رولف دوبلي في كتابه فن التفكير الواضح: «الاختيار يسبب سعادة، إلا أن ثمة حد فاصل، إذا ما تم تخطيه فإنه يتجاوز بجودة الحياة إلى حد الهلاك. المصطلح التخصصي لوصف تلك الحالة هو: مفارقة الاختيار».

يحكم اتخاذ قرار الاختيار عدة عوامل تجعل منه مشقة يومية وهاجسا يؤرق الجميع. والإنسان يميل إلى اختيار ما تعود عليه ويميل إلى اختيار أسهل ما هو متاح له، وكل تركيزه على عامل الوقت الذي يداهمه
يرى معظمنا أن إمكانية الاختيار الواسعة هي أمر جيد لكن التوسع الزائد في الخيارات يجعل من الاختيار عملية أكثر صعوبة إن لم نقل أنه يحجمه ويمنعه. منذ مدة أجريت دراسة حول خطط الإحالة على التقاعد وخيارات موظفي الشركات المشاركين، وشملت الدراسة معطيات عن 800 ألف موظف و647 خطة مقترحة ضمن 69 قطاعا. ماذا كانت النتيجة؟ كلما كانت حرية الاختيار أكبر في الخطط المقترحة، كلما كان عدد الموظفين المشاركين فيها أقل. وكلما كان مجال الاختيار أوسع، كلما جلب ذلك مزيدا من الحيرة والإرتباك مما يؤدي إلى جواب واحد ووحيد: شكرا، لا نريد!

إن هذه الظاهرة دفعت بعالم النفس الأمريكي باري شوارتز أن يكتب حولها، عام 2004، كتابا كاملا حمل عنوان (مفارقة الاختيار). وقال متحدثا في منتدى الأعمال عام 2006: «عندما يكون الاختيار واسعا، هذا يؤدي إلى شللنا، وإلى اقتناعنا بتأجيل اتخاذ القرار، ويزيد من عطالتنا ويجعلنا نخاف من اتخاذ القرار غير الصائب. عندما يكون الاختيار بين شيأين فلن يدوم الإختيار طويلا، أما عندما يتعلق الأمر بمئات الأشياء، فهذا يكبح قرارنا من أجل انتظار الخيار المثالي».

ما هي نتائج وفرة الاختيارات؟
بحسب الدكتور باري شوارتز فإن هذه الوفرة تؤدي إلى ثلاث نتائج :
1- الشلل التحليلي: وهو حالة عامة من العجز عن اتخاذ أي قرار بسبب وجود خيارات أكثر من اللازم أو بسبب العجز عن تفضيل واحد من بين مجموعة خيارات. ويؤكد ذلك تجربة أجريت في متجر كبير، وتم فيها تقديم 24 نوعا من الحلوى يمكن للزبناء تذوقها وشراؤها بخصم. في اليوم الموالي، قدم نفس المتجر حلويات للزبناء، ولكن عدد الأنواع المعروضة كان ستة أنواع فقط. ماذا كانت النتيجة؟ جاءت المبيعات في اليوم الثاني أكبر بعشر مرات من اليوم الأول. لماذا؟ حين يكون العرض واسعا، لا يستطيع الزبون أن يقرر ولهذا لا يشتري على الإطلاق!

2- اتخاذ قرارات سيئة: أمام العجز في اتخاذ القرار، يمكن أن نتسرع أو نسلك طرقا مختصرة تؤدي بنا إلى الوقوع في الخطأ. وهذا الأمر يمكن أن تحدثه وسائل التواصل الاجتماعي التي تتيح إمكانية التعرف على أشخاص كثر..

3- عدم الرضا: في إحدى التجارب، تم عرض لوحات على مجموعة أولى من الأشخاص وطلب منهم اختيار لوحة معينة والذهاب بها للمنزل. وطلب من مجموعة ثانية نفس الطلب لكن مع إضافة إمكانية تبديل اللوحة فيما بعد إذا لم تعجبهم. ماذا كانت النتيجة؟ كانت المجموعة الثانية أقل رضا من المجموعة الأولى مع أنه كان لديهم خيارا أفضل. يرى علماء النفس الذين قاموا بالتجربة أن الشخص إذا استمر في طلب المزيد من الخيارات فإنه لن يتوقف وسيظل يطلب خيارا بعد الآخر.

كيف نختار؟
يحكم اتخاذ قرار الاختيار عدة عوامل تجعل منه مشقة يومية وهاجسا يؤرق الجميع. والإنسان يميل إلى اختيار ما تعود عليه ويميل إلى اختيار أسهل ما هو متاح له، وكل تركيزه على عامل الوقت الذي يداهمه. يطرح رولف دوبلي السؤال: ما العمل إذن؟ ويجيب: « فكرا جيدا ماذا تريد قبل أن تنظر في العروض المتاحة، دون معاييرك والتزم بها تحت أي ظرف. وانطلق من حقيقة أنك لن تصل أبدا إلى الإختيار المثالي.. عود نفسك على الرضا بالحل الجيد؛ نعم، حتى في نقطة شريك الحياة».

أما علماء النفس فيقترحون تتبع خطوتين اثنيين:
1- قم بتقليص عدد الاحتمالات إلى عدد أصابع اليد الواحدة، وهذا يجعل المقارنة بين أفضل الإختيارات عملية سهلة.
2- عند المقارنة، يجب مقارنة جوهر كل خيار بجوهر الخيار الآخر.

يقول باري شوارتز: «ركز على ما يجعلك سعيدا وقم بما يعطي معنى لحياتك».