نكبة المقدسات في فلسطين مستمرة: مساجد حُوّلت إلى حظائر وخمارات ومقابر تقام على أنقاضها محاكم «للعدالة» ومتاحف لـ«التسامح»

حينما كان أحد يمس كنيسا أو مقبرة يهودية في العالم تقيم إسرائيل القيامة ولا تقعدها، لكنها في الوقت نفسه قامت ولا تزال تقوم بعدة طرق بانتهاك مقدسات إسلامية وأحيانا مسيحية في البلاد وكأنه أمر عادي وطبيعي دون حرج.
وبسبب حظر خاص بعدوى كورونا، وبخلاف عادتهم لعقود خلت في اليوم الذي يعرف بـ “استقلال إسرائيل” لم يتمكن فلسطينيو الداخل أمس من زيارة هذه المقدسات والبلدات المهجرة بشكل عام، ومن القيام بنشاطات ثقافية وفنية تحت عنوان “يوم استقلالكم هو يوم نكبتنا”.
وتتجلى انتهاكات إسرائيل في مقابر تجرف وتبنى عليها مواقف سيارات وبنايات مختلفة. وهناك مساجد تحوّلت لمطاعم وحانات وخمارات ومخازن، وأحيانا تحول لكنس بعد انتزاع لوحات رخامية تروي متى ومن بناها واستبدالها بلوحات عبرية عن تاريخ الكنيس في الموقع. والمفارقة أن ذلك يتم أحيانا في مساجد مع مآذن شاهقة. ويوضح مدير جمعية الأقصى داخل أراضي 48 محمد سواعد، أن الحديث يدور عن 1200 من المساجد والمقامات المدمرة منذ النكبة ومثلها من المقابر التي تم تدميرها بعد مصادرتها لاعتبارها من قبل السلطات الإسرائيلية ” أموال غائبين”.
وردا على سؤال ” القدس العربي ” يشير سواعد الى أن الصهيونية سارعت من أجل السيطرة على أراضي الوقف الإسلامي، منوها أنه عام 1948 بلغت مساحة أراضي الوقف الخيري الإسلامي في فلسطين 178 ألفا و677 دونماً. وبدأت إسرائيل في تدمير المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها منذ اليوم الأول لتأسيسها، مما حمل البطريرك مكسيموس حكيم، بطريرك الروم الكاثوليك لأنطاكيا وسائر المشرق والذي كان مطراناً لطائفة الروم الكاثوليك في حيفا أثناء حرب عام 1948 للقول عن انتهاك إسرائيل للمقدسات العربية إنها في عام 1948 دمرت بعض المساجد والكنائس والمستشفيات والملاجئ في الأراضي التي احتلوها. بخلاف الحالة هنا فإن الكثير من الكنس في سوريا، والعراق، ومصر، وتونس والمغرب وغيرها ما زالت بالحفظ والصون.
بعد 72 عاما على قيامها على أنقاض الشعب الفلسطينية تواصل إسرائيل استهداف المساجد والمقابر والمقامات والمقدسات الإسلامية مباشرة، ولا تكتفي بفرض هجرانها وحظر ترميمها حتى تسقط، وكل ذلك بغية إزالة الملامح الإسلامية والعربية من البلاد ومحو ذاكرتها.
ووفقا لمعطيات جمعية “الأقصى” فقد هدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي آلاف المساجد والمقابر الإسلامية منذ نكبة 1948 ،كما قامت بتحوير وتزوير هوية العشرات منها.
في هذا التحقيق ترصد “القدس العربي” نماذج كثيرة على ذلك منها قرية بيار عدس المهجرة التي لم يبق منها سوى بعض بقايا شواهد قبور بعدما حولت في معظمها إلى موقف للسيارات وممر للمشاة وموضع لحاويات القمامة قريبا من مدينة كفار سابا شمال تل أبيب.
وفي مدينة يافا أنشئ على أجزاء واسعة من مقبرة عبد النبي فندق هيلتون، في حين غطى العشب قرية عمقا المهجرة في قضاء عكا التي دمرت بيوتها ولم يبق فيها سوى مسجد متداع تمنع السلطات الإسرائيلية ترميمه، وهكذا في القرية المجاورة الغابسية المحاط مسجدها بالأسلاك. كما تحوَّل مسجد قرية البصة قضاء عكا إلى حظيرة لتربية الأبقار ومكب للنفايات.
في قرية الطنطورة الساحلية قضاء حيفا حيث ارتكبت مذبحة مروعة دفن ضحايا في مقبرة جماعية أقيم عليها موقف للسيارات، كما جرى في مقبرة بلدة الشيخ مونس التي قوم عليها بعض مواقف سيارات جامعة تل أبيب. كما سبق أن أقيم متحف التسامح “على مقبرة مأمن الله التاريخية في القدس قبل سنوات، وتتعرض الآن مقبرة حي السرايا في صفد لعمليات تجريف تمهيدا لبناء “محكمة الصلح” في المدينة ولم تشفع للمقبرة ضغوط سياسية والتماسات قضائية.
وفي وسط مدينة طبرية أول مدينة فلسطينية سقطت في نكبة 1948 بدعم مباشر من الاستعمار البريطاني تطل من بعيد مئذنة مسجد السوق أو المسجد العمري المعروف أيضا بالجامع الكبير، المبني في القرن الثامن عشر، لكن المسجد المتداعي ما زال منذ عقود مجمعا للقمامة وتكسوه القاذورات وتسكنه الغربان وتحول بلدية المدينة دون صيانته، وهكذا هو حال شقيقه مسجد البحر على بعد نحو مئتي متر.
وفي جنوب مدينة طبرية تقع المقبرة الإسلامية الواسعة، وقد شقت المؤسسة الإسرائيلية شارعا رئيسيا شطرها إلى قسمين لتستبيح المراكب حرمتها منذ عقود.
وداخل بقايا المقبرة مصلى “الست سكينة” التاريخي المبني في العهد المملوكي وقد حول إلى كنيس باسم “قبر راحيل”، ويقف شاهدا على عمليات تزييف التاريخ وقلب الحقائق وسرقة التراث.
وقائمة المساجد اليتيمة المغلقة والمهجورة داخل أراضي 48 طويلة ومنها مسجد قرية الزيب قضاء عكا والذي حولته إلى مخزن للأدوات الزراعية، ومسجد عين الزيتون في قضاء صفد وهو اليوم حظيرة للأبقار، والمسجد الأحمر، وقد حوّل إلى ملهى ليلي وقاعة أعراس، والمسجد اليونسي الذي حول إلى معرض تماثيل وصور، ومسجد القلعة في صفد الذي جعلته مقرا لمكاتب البلدية، أما مسجد الجورة فهدم ولم تنج منه سوى مئذنته التي سرق هلالها المعدني في قمتها قبل سنوات. كما حولت مسجد الخالصة قضاء صفد إلى متحف بلدي، ومسجد عين حوض قضاء حيفا إلى مطعم وخمارة، وهذا نصيب المسجد القديم في قيسارية قضاء حيفا، وهو مسجد جميل جدا بني في الفترة الأموية على بعد مترين من ساحل البحر الأبيض المتوسط، وما زال مسجد المالحة في القدس يستخدم لإحياء السهرات الليلية.
وفي أقصى جنوب النقب يقف مسجد قرية الكوفخة التي أصبحت أثرا بعد عين إلا مسجدها المحاط بالأسلاك الشائكة، تحت سيطر عليه رجل يهودي ليستخدمه مزرعة لمواشيه. وفي مدينة بئر السبع ما زال المسجد الكبير المبني على الطراز المعماري التركي موصدا بعدما استخدم سنوات طويلة كمحكمة ومتحف، واليوم هو مركز ثقافي وتحظر الصلاة فيه.
ويتضح أن هناك مساجد كثيرة حولتها جهات إسرائيلية إلى كنس، وهناك من يرى ذلك أخف الشرين مقارنة مع الهدم وتحويلها إلى مطعم أو مخزن أو متجر منها المسجد اليعقوبي في صفد، ومسجد ياقوق قضاء طبريا، ومسجد العفولة قضاء الناصرة، ومسجد كفريتا، ومسجد طيرة الكرمل قضاء حيفا، ومسجد العباسية ( اليهودية) قضاء الرملة ومصلى أبي هريرة في قرية يبنى قضاء الرملة. أما مسجد وادي حنين قضاء الرملة فقد هدمت مئذنته عام 1948 ولاحقا تم تحويله الى كنيس ليهود يخدم اهالي مستوطنة نس تسيونا القائمة على أنقاض القرية اليوم.
كذلك تحوّل مسجد يازور قضاء يافا بقبابه التي تظهر على الطريق الواصل بين يافا والقدس، إلى كنيس يسمى ” شعاري تسيون “، ورغم الترميمات والتحسينات الإسرائيلية عليه، ما زال المبنى يحمل الطابع المعماري المملوكي. أمّا مسجد المسعودية (صميل) داخل تل أبيب اليوم فهو متواضع ويتكون من غرفة صغيرة دون قبة، وتحوّل هو أيضًا إلى كنيس يهودي على يد المستوطنين اليهود بعد النكبة. فور دخوله مدينة مجدل عسقلان يلاحظ الزائر بقايا أحياء المدينة الفلسطينية التي طرد سكانها بعد النكبة بسنتين واستقر معظمهم في غزة وقلة منهم في اللد والرملة في الداخل.
ويبرز في المدينة التي صارت تعرف إسرائيليا بـ “أشكلون” مسجد الحسين الكبير المبني على الطراز المعماري المملوكي، وهو مسجد ضخم قد حول الى خمارة وناد ليلي وحمامات عامة ومتجر. وفي المكان لا تزال تنتشر أبنية عربية جميلة مكونة من طابقين بمعظمها بعضها مهجور فيما سكن بعضها الآخر مستوطنون من أصل روسي.
في استعادته سيرة الحياة قبل زلزال النكبة، أشار الشيخ عبد الله نجم المهجر من بلدة سدود جارة مجدل عسقلان في مدينة اللد، إلى أطلال بيت الشيخ خليل زقوت المجدلي محرر أسبوعية ” الزمر” الفلسطينية التي صدرت حتى النكبة في عكا.
وعلى بعد حوالى كيلومترين صوب البحر المتوسط غربا بقي بيت متداع واحد من قرية الجورة المدمرة التي أقيمت على أنقاضها مستوطنة ” أورة”، وهي مسقط رأس الشهيد أحمد ياسين ورئيس حركة حماس إسماعيل هنية، وهي مجاورة لبلدة الخصاص الساحلية التي نجا فيها من أيدي الهدم مقام الشيخ محمد عوض فقط. وفي سدود نجا من التدمير مقام اعتاد اهالي سدود على تبجيله هو مقام عبد الله بن إبي السرح.
في زيارة سابقة للمكان كاد المرشد أبو نجم ان يغمى عليه حيث احمرت وجنتاه وبدا الاحتقان في ملامحه واضحا لمشاهدته القبر قد نبش وبعثرت حجارته من قبل متطرفين يهود او لصوص الآثار.
واستذكر أبو نجم أحاديثه مع ضباط الجيش المصري الذي وفد لإنقاذ فلسطين أمثال محمد نجيب وجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، حيث قال انهم توقفوا عند وادي الدوير الفاصل بين حدود الدولتين العربية واليهودية بموجب قرار التقسيم 29.11.47 لافتا الى صدمتهم فور اكتشافهم حقيقة فساد الذخائر والأسلحة التي كانت أحد أهم أسباب تراجع المصريين وفشلهم بتحقيق الغاية التي جاؤوا من أجلها قبل توقيع الهدنة عام 1949.
يشار الى أن ما ورد أعلاه هو أمثلة وعينات فقطـ علما أن الحركة الإسلامية بشقيها الجنوبي والشمالي وجهات أخرى نجحت في ترميم أو فتح أو صيانة بعض المساجد والمقابر خلال العقود الثلاثة الأخيرة.