عين الحلوة مخيم البؤس والحرمان يبحث عن الاستقرار والأمان

تأسس مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين عام 1948 من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بهدف إيواء اللاجئين من مدن وقرى شمال فلسطين، وكان عند تأسيسه وكما المخيمات الفلسطينية في لبنان، عبارة عن خيم اصطفت الواحدة إلى جانب الأخرى، ثم عملت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” بشكل تدريجي عام 1952 على استبدال الخيام بمساكن اسمنتية.

ويقع المخيم على بعد 3 كيلومترات جنوب شرق مدينة صيدا اللبنانية، وحوالي 45 كيلومترا جنوب بيروت، ويبلغ عدد سكانه أكثر من 100 ألف نسمة بعد أن لجأت إليه عشرات العائلات الفلسطينية النازحة من سوريا بسبب اندلاع الأحداث عام 2011.

ويعتبر عين الحلوة أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، من حيث المساحة وعدد السكان، ويطلق عليه اسم عاصمة الشتات، لكنه يفتقر للخدمات الصحية والاجتماعية والإنسانية، ويعيش سكانه في منازل تعاني الرطوبة والظلمة وضعف التهوية بسبب ضيق المساحة والتصاق بعضها ببعض، ويعاني سكان المخيم من الفقر والبطالة التي تزيد عن 90 في المئة بسبب عدم السماح للفلسطينيين بالعمل في معظم القطاعات المهنية، ما دفعهم إلى الاعتماد على أجور ضئيلة تدفع من قبل التنظيمات الفلسطينية وتحويلات الأقارب في الخارج.

وأكدت الأونروا على أن عدد من سكان مخيم عين الحلوة يعملون بشكل رئيسي كعمال عرضيين في مواقع الإنشاءات وبساتين الفاكهة، أو كعمال نظافة. وقالت إن هناك معدل تسرب عال من المدارس حيث يتم إجبار الطلبة في الغالب على ترك المدرسة من أجل إعالة أسرهم.

وتشير التقارير الصادرة عن اللجان الشعبية الفلسطينية ومنظمات المجتمع المدني العاملة في الوسط الفلسطيني، إلى أن نسبة البطالة داخل عين الحلوة تجاوزت 60 في المئة، وأن أكثر من 5 آلاف عائلة فقيرة داخل المخيم، منها أكثر من 1400 عائلة تجاوزت خط الفقر المدقع.

ويؤكد أحمد الشاويش رئيس اللقاء الشبابي اللبناني – الفلسطيني، على أن عشرات الأطفال في المخيم يقتصر فطورهم على الخبز المغمس في الشاي، مشيرا إلى أن منظمات المجتمع المدني عملت على مدى الشهور الماضية على رصد الحالة الاجتماعية داخل المخيم بعد استفحالها ونفذت العديد من المقابلات والاستبيانات وخلصت إلى تكوين ملف أولي، مشيرا إلى أن من أبرز ما تضمنه الملف هو أن عشرات التلاميذ في مدارس الأونروا لا يحصلون على مصروف يومي وهذه حقيقة يسأل عنها المدرسون، فيما تذهب عائلات فلسطينية مستورة إلى أسواق صيدا بشكل يومي لجمع بقايا الخضار والفواكه “وهو ما يمكن لمن يرغب التحقق منه بزيارة ميدانية يومية عصر كل يوم إلى الأسواق” وقال إن “هذه المؤشرات غيض من فيض”.

ورأت مؤسسة “شاهد” لحقوق الإنسان في تقرير تحت عنوان “الوجه الإنساني لمخيم عين الحلوة” أن المخيم أصبح عنواناً للبؤس والحرمان. واعتبرت المؤسسة الحقوقية أن مخيم عين الحلوة يشكل امتداداً عمرانياً متصلاً مع مدينة صيدا اللبنانية، وأشارت إلى أن مساحته لا تتجاوز كيلومتر مربع واحد فيه كل مقومات الحياة المدنية من مراكز تربوية وطبية واجتماعية. وأضافت أن التحدي الأول التي يواجه سكان المخيم هو الزيادة السكانية، إذ يصل معدل عدد أفراد العائلة فيه الى خمسة، أما معدل عدد الغرف في المنزل الواحد فهو ثلاث، وأكدت على أن السكان يعيشون واقعاً إنسانياً مزرياً في بقعة جغرافية صغيرة.

وفي رأي “شاهد” فإن الحكومة اللبنانية تتعامل مع موضوع الفلسطينيين من منطلق أمني يولد حالة غضب لدى السكان. في حين تقدّم الأجهزة الأمنية أسباباً كثيرة لتبرير إجراءاتها، لكن سكان المخيم يدفعون ثمناً باهظاً لذلك. والمطلوب استناداً إلى التقرير “أنسنة الإجراءات الأمنية” ودعت “شاهد” في تقريرها، السلطات اللبنانية إلى عدم التضييق على سكان المخيم وتغليب الجوانب الإنسانية دائماً، والعمل على الملفات الأمنية بالتعاون مع المرجعيات الفلسطينية داخل المخيم.

ولوحظ أن صعوبة الأوضاع داخل المخيم دفعت باللاجئين الفلسطينيين للبحث عن حلول يائسة للهجرة نحو أوروبا، ما جعلهم فريسة سهلة لمهربي البشر، الذين يقومون بالاستيلاء على مبالغ ضخمة قدمت لهم بعد بيع منازلهم وما تحتويه من أثاث، والتسبب في موت الكثيرين منهم غرقا في البحر.

وتتعاطى الحكومة اللبنانية مع موضوع الفلسطينيين من منطلق أمني، فالفلسطيني في مخيم عين الحلوة موضع شبهة، وحواجز التفتيش والتدقيق على كل مداخل المخيم تولد حالة غضب لدى السكان، وتقدّم الأجهزة الأمنية أسباباً كثيرة لتبرير إجراءاتها، لكن سكان المخيم ليسوا كلهم مطلوبين للقضاء اللبناني وللأجهزة الأمنية، فليس من المعقول أن تستمر الإجراءات المشددة لفترات طويلة.

وفي رأي الفصائل الفلسطينية فإن القوانين التي تنظم حالات الطوارئ تحدد شروطاً لذلك، أهمها عامل الوقت، وزوال الأسباب. لذلك فإن التعاطي الأمني بالمطلق مع المخيم له آثار سلبية على السكان، فالضغط النفسي يولّد الكبت لدى الأهالي ويزيد من مشاكلهم وأعبائهم. لذلك كررت مطالبتها الدائمة المطلوب بأنسنة الإجراءات بحيث تقوم الأجهزة الأمنية بعملها مقابل مراعاة الحاجات الإنسانية وأن تكون الإجراءات موجهة للمستهدفين فقط.

ولا يكاد يمر يوم إلا ويشهد المخيم حادثا أمنيا أو انفجار عبوة ناسفة أو عملية اغتيال أو اشتباكا مسلحا، إلى درجة أنها أصبحت من طبيعة الحياة في المخيم، رغم تأكيد قيادات الفصائل الفلسطينية أن الوضع الأمني داخل المخيم متماسك وأن الأحداث التي تتكرر بشكل شبه يومي لن تتحول إلى اشتباكات واسعة.

وحسب الناشط الاجتماعي الفلسطيني الدكتور ناصر السيد، فإن في مخيم عين الحلوة، مسلحون من كافة الفصائل الفلسطينية بتوجهاتها الفكرية المختلفة ولكل منها له مربعه الأمني الخاص به، واعتبر ان حركة فتح هي الأقوى نفوذا وتسليحا بسبب سيطرتها وقدرتها العسكرية، وقيادتها لقوات الأمن الوطني التي شكلت من عدة فصائل وهدفها ضبط الأوضاع والاشكالات الأمنية داخل عين الحلوة.

ويرى أن بعض التيارات في المخيم دخلت في صراع مع الدولة اللبنانية وتحاول أحيانا تمرير أجندتها الخاصة، كما أن بعض التيارات الدينية “المتشددة” غير الفلسطينية تحاول هي الأخرى الاستفادة من المخيمات وتستخدمها ملاذا آمنا أو نقطة انطلاق لتحقيق مآربها، وهو ما قد يستخدمه بعض الفصائل الفلسطينية المسيطرة على المخيم ورقة مساومة مع الحكومة اللبنانية.

وبرزت على ساحة مخيم عين الحلوة في السنوات الأخيرة أسماء مجموعة من التنظيمات الغامضة في ظروف نشأتها ودوافع تأسيسها وأهدافها، والتي سيطرت أحيانا على مناطقة معينة من المخيم.

قائد قوات الأمن الوطني الفلسطيني في لبنان اللواء صبحي أبو عرب أكد أن مجموعات مسلحة دخلت المخيم خلال السنوات الماضية، من خارج النسيج الوطني الفلسطيني، لافتا إلى أن هذه المجموعات تعمل بين الفترة والأخرى على توتير الأجواء داخل المخيم، وهي مرتبطة بقوى ودول خارجية هدفها تشويه قضية اللاجئين وتحويل المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى بؤر توتر، ما يجعل قضايا اللاجئين معقدة.

وقال اللواء أبو عرب أن قوات الأمن الوطني الفلسطيني التي شكلت من الفصائل الفلسطينية، قادرة على ضبط الأوضاع الأمنية داخل مخيم عين الحلوة، مشددا على أن الوضع الأمني في تحسن ملحوظ بالتنسيق والتعاون مع كافة الفصائل ومع السلطات الأمنية اللبنانية. وأضاف أن أحداثا أمنية تندلع بين الفترة والأخرى بين المسلحين داخل مخيم عين الحلوة، إلا أن هذه الأحداث تبقى محدودة ومضبوطة ولفترة محددة، لافتا إلى أن هناك معالجات دائمة لمثل هذه التفجيرات وأن قيادة الفصائل الفلسطينية تشكل الداعم لقوات الأمن الوطني الفلسطيني المكلفة بحماية المخيم والمحافظة على أمنه واستقراره.

وشدد على ضرورة وضع حد للتوترات والاشتباكات الأمنية التي يشهدها عين الحلوة بين الفترة والأخرى، مضيفا “كفى اللاجئين الفلسطينيين عذابا وقهرا وحرمانا حتى من أبسط حقوق الإنسان” وقال رغم الخلاف السياسي مع حركة حماس، لكن “أستطيع التأكيد أن لا اشتباكات ولا صراعات مسلحة ستكون بين فتح وحماس داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. الفلسطينيون في لبنان ضيوف، ويلتزمون بالقوانين المرعية”.

أن واقع الحياة داخل مخيم عين الحلوة ينذر بكارثة إنسانية ليس من السهل تحديد ملامحها اليوم، لكن الفقر والحرمان وحالة الفوضى التي تسيطر على المخيم إلى جانب التوترات والاشتباكات الأمنية وموجة الاغتيالات، تشير إلى واقع صعب ومستقبل غامض

شاهد أيضاً

بعد الدكتور عدنان البرش.. استشهاد طبيب آخر من غزة بسجون الاحتلال

كشفت مصادر طبية للجزيرة عن استشهاد الدكتور إياد الرنتيسي رئيس قسم الولادة في مستشفى كمال عدوان داخل السجون الإسرائيلية، وذلك بعد أزيد من شهر ونصف على الكشف عن استشهاد الطبيب الفلسطينيى البارز عدنان البرش في سجون الاحتلال.