إسرائيل ترتكب “مجزرة تطهير عرقي” في القدس.. تنديد فلسطيني واسع ومطالبات بتدخل دولي ومحاكمة الاحتلال

في مشهد مأساوي أعاد للذاكرة مأساة اللاجئين الفلسطينيين، الذين هجروا قسرا عن بلداتهم ومدنهم على أيدي العصابات الصهيونية في عام 1948، نفذت قوات الاحتلال تهديداتها وشرعت صباح اليوم بتشريد وتهجير مئات الأسر التي تقطن بلدة صور باهر بمدينة القدس المحتلة، بعد أن شرعت بعملية هدم لمنازلهم، هي الأكبر واستهدفت 100 شقة سكنية.

وأقدمت جرافات وقوات كبيرة من جيش الاحتلال على عملية الهدم والتشريد، بعد أن قامت بمحاصرة حي وادي الحمص ببلدة صور باهر منذ الأحد، لتلقي بسكان البنايات وعددها 16 بناية في الشارع بلا مأوى، بعد أن أصبحت منازلهم أثرا بعد عين، بفعل الجرافات وآلات الهدم الثقيلة التي استقدمتها قوات الاحتلال لتنفيذ العملية.

وتعد عملية الهدم الواسعة، التي أعادت للأذهان مأساة تشرد اللاجئين عام 48، الأكبر التي تشهدها المدينة المقدسة، منذ أحداث حرب 1967، التي احتلت خلالها إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، وارتكبت وقتها مجازر وعمليات هدم واسعة طالت منازل الفلسطينيين.

وبفعل آلات الهدم والجرافات، وقرارات سلطات الاحتلال بإزالة الحي بالكامل، أصبحت هذه العوائل التي تضم أطفالا ونساء ومسنين بلا مأوى، حيث لم يتمكن سكان البنايات من إخراج حتى مقتنياتهم الشخصية من منازلهم، بعد أن ألقى بهم جنود الاحتلال في الشارع.

وأصيب عشرات السكان، خلال اعتداء قوات الاحتلال عليهم بالضرب ورشهم بغاز الفلفل، على الوجه خلال تصديهم لعمليات الهدم، والتي تخللها إطلاق القنابل الصوتية تجاههم.

وقد استبقت قوات الاحتلال عملية الهدم، ونشرت دوريات كبيرة من قواتها العسكرية، التي أغلقت المنطقة واعتلت بناياتها، لتسهيل وصول الجرافات وبدء عملية تدمير البنايات، فيما قام الجنود بإجبار سكان العمارات على تركها بالقوة وتحت تهديد السلاح والضرب.

وحالت إجراءات الاحتلال دون تمكن وصول الكثير من سكان مدينة القدس للاحتجاج على العملية، وكذلك حالت دون قدرة الصحافيين للوصول إلى المكان لتغطية الحدث، واحتجزت قوات الاحتلال محافظ القدس عدنان غيث على مدخل بلدة صور باهر، ومنعته من الوصول إلى منطقة وادي الحمص الذي يشهد عمليات الهدم.

وكانت المهلة التي منحتها سلطات الاحتلال لسكان الشقق الـ100، لإخلائها وهدمها ذاتيا، انتهت يوم الخميس الماضي، غير أن الأهالي لم ينفذوا القرار، وبقوا صامدين داخل مساكنهم، قبل إخراجهم بقوة السلاح، ويتوقع أن تقوم سلطات الاحتلال بالرغم من عمليات الهدم والتشريد، وتكبيد السكان خسائر مالية كبيرة، بفرض غرامات مالية كبيرة عليهم، كثمن تكاليف هدم منازلهم.

وجاء قرار تنفيذ عمليات الهدم، بعد أن رفضت محكمة الاحتلال الأحد استئناف الأهالي بتجميد الهدم في المنطقة، بعد احتجاج السكان على قرار محكمة سابق أيد قرار بلدية الاحتلال في القدس، كونه غير قانوني.

وتتذرع إسرائيل بأن قرار الهدم جاء لقرب تلك البنايات السكنية، من الجدار الفاصل التي تقيمه قوات الاحتلال في الضفة الغربية، والذي يفصل بين الكثير من المناطق الفلسطينية، ويضع جدرانا خرسانية عالية، حتى بين السكان ومزارعهم، وبين الطلبة ومدارسهم.

لكن سكان الحي يؤكدون أن الهدف من العملية هو تنفيذ أحد مخططات “تهويد” مدينة القدس، والعمل على توسيع المستوطنات المحيطة بمنطقة وادي الحمص، وتهجير وتشريد سكان جدد من القدس، للإقامة خارج حدود المدينة، ضمن خطط التوسع الديمغرافي الإسرائيلية.

ودانت الرئاسة الفلسطينية عمليات الهدم، وحملت الحكومة الإسرائيلية، المسؤولية كاملة عن هذا “التصعيد الخطير”، واعتبرته جزءا من مخطط “صفقة القرن” الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية، وأكدت أن “الرئيس محمود عباس يجري اتصالات مع مختلف الأطراف ذات العلاقة لوقف هذه المجزرة الاسرائيلية”، ودعت الرئاسة المجتمع الدولي الى “التدخل الفوري لوقف هذا العدوان بحق شعبنا وارضه ومقدساته”.

وندد صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بالعملية التي أكد أنها تمثل “جريمة الحرب”، وطالب المجتمع الدولي ومحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق بهذه الجرائم، ومحاسبة ومساءلة إسرائيل، وأضاف: “آن الأوان للدول العربية أن تدرك أن ما يحدث من مخطط هو تطبيق لصفقة القرن”، لافتا إلى أن “الازدهار الاقتصادي” الذي أُعلن عنه في “ورشة المنامة” ينفذ عبر هدم 100 شقة سكنية للفلسطينيين.

وطالب المجلس الوطني الفلسطيني المجتمع الدولي ومؤسساته واتحاداته البرلمانية، بالعمل على “مواجهة جرائم التطهير العرقي الإسرائيلي” التي تجري ضد المواطنين الفلسطينيين في واد الحمص.

وقال إبراهيم ملحم الناطق باسم الحكومة الفلسطينية، إن عملية الهدم تعد “أكبر عملية تطهير عرقي بحق الفلسطينيين في المدينة”، مطالبا المجتمع الدولي بالمسارعة لتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني الأعزل.

وفي هذا السياق قال وليد عساف رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إن عمليات الهدم هي الأكبر منذ عام 1967، وأضاف: “إذا ما تم ذلك فإنه سيصار إلى هدم آخر في المنطقة سيشمل حوالي 225 شقة أخرى”، مؤكدا أن الأمر العسكري الذي وصفه بـ “الجائر” يعد “انتهاكا للاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين، وكذلك لاتفاقية جنيف ونظام روما”، وأكد أن أعمال الهدم تهدف إلى “إيجاد منطقة عازلة لفصل القدس عن بيت لحم وعدم تواصلها مع الضفة الغربية”.

وأكدت حركة فتح أن هذه الجريمة تأتي في ظل الدعم الأمريكي المطلقِ للمشاريع الاستيطانية الإسرائيلية، لافتا إلى أن ما يجري يمثل “ناقوس خطر” يستدعي وقفة عربية صلبة، والتخلي عن أوهام الحلولِ الأمريكية، ودعت المجتمع الدولي للتحرك الفوري، وفرض عقوبات على الاحتلال.

وقال الناطق باسم حماس حازم قاسم، إن هدم أكثر من 100 شقة يمثل “جريمة تطهير عرقي مكتملة الأركان”، لافتا إلى أنها تستهدف تشريد المواطنين الأصليين أصحاب الأرض، مؤكدا أن العملية تأتي ناتجة الدعم الأمريكي المطلق لـ”سلوك الاحتلال العنصري”، وقال: “هذه الجرائم والسياسات العنصرية لن توقف مقاومة شعبنا للمشروع الصهيوني الاستعماري الذي يستهدف الأرض والإنسان الفلسطيني، وأن خيار المقاومة الشاملة هو القادر على مواجهة هذه السياسة”.

ودعت حركة الجهاد الإسلامي لمواجهة هذا العدوان من خلال “تصعيد الانتفاضة والمواجهة الشاملة”، مؤكدة أن “جريمة هدم المنازل في قرية صور باهر لن تمر دون رد”.

وقال حمادة حمادة رئيس لجنة أهالي حي وادي الحمص، إن البنايات التي تعرضت للهدم بعضها مأهول والآخر قيد الإنشاء، لافتا إلى أن هذه البنايات تقع في منطقة مصنفة “أ” خاضعة للسلطة الفلسطينية حسب “اتفاق أوسلو”.

ويصنف “اتفاق أوسلو” مناطق الضفة الغربية إلى مناطق “أ” تابعة إداريا وسياديا للسلطة الفلسطينية، ومناطق “ب” تتبع إداريا للسلطة، وعسكريا لسلطات الاحتلال، فيما هناك مناطق “ج” تخضع لاحتلال كامل من قبل سلطات الاحتلال.

وهذه المنطقة التي يجري هدم المنازل المقامة عليها، توجد ما بين مدينتي القدس المحتلة وبيت لحم الواقعة، وغالبية سكانها من اللاجئين الفلسطينيين، المفترض أن يحظوا بحماية من الأمم المتحدة، لمنع تهجيرهم مرة أخرى.

شاهد أيضاً

خطاب المعركة: ثقة وانسجام المقاومة وخلافات الاحتلال

شهدنا في الأيام الماضية جملة من الخطابات صادرة عن قيادات فلسطينية وصهيونية حول الحرب في غزة. وبينما طغى السجال العلني على خطابات كل من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت، اللذين ينتميان لحزب واحد، هو "الليكود"، فقد تميّزت المقاومة الفلسطينية بانسجام وثبات وثقة خطاباتها