اسلاميات

اعادة ترتيب العقل المسلم بين معالجة الأخطاء وتبريرها

بقلم: محمد كمال

لستُ أشك أن من أعظم الجرائم في حق
العقل وهو كذلك من أسباب تردي التربية، تبرير الأخطاء والبحث عن أعذار لفاعلها، وهكذا يتحول الخطأ إلى مظهر للصواب بالاعتياد.
فالخطأ في حدَّ ذاته طبع بشري، جعله الله تعالى ليكون معلماً ومربياً للإنسان، وهو باب من أبواب الإبداع، لكن مصيبة الأخطاء في اعتيادها لا في فعلها، وفي استمرارها واستمرائها وليس في مجرد الوقوع فيها، لقد أخطأ أبونا آدم وأمنا حواء، لكنهما تلقيا العلم ومُحصا بالتربية الربانية، “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا”، ولم تكن تلك العلوم فقط أسماء ومعارف ماديةً بل كان منها الأدبية والأخلاقية والاجتماعية، ألم تَرَ كيف قالا كلاهما وقد استفاقا من أثر خطئهما: “رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ”، هذا الإحساس الذي انفعل به أبوانا؛ آدم وحواء، فلم يبررا خطأهما ولم يُلقيا باللائمة على شهوة النفس والرغبة في الخلود وهو مطمع بشري، ولما يتعرضا للشيطان ووسوسته إبان توبتيهما، ولم يتعللا بالضعف البشري وهما يتوهمان الخلود في النعيم والمتاع.
هكذا ببساطة تابا ورجعا وندما دون الهروب من المسئولية، لقد واجها خطأهما برباطة جأش وثبات -ربنا ظلمنا أنفسنا-، وتلك هي الحقيقة التي أثبتت صلاحية الإنسان لتولي المهام والتي جعلته مؤهلاً للارتقاء، فلم يكن عجباً أن يشرفه الله مع اعترافه وإقراره بالخطأ بتولي أعظم مهمة تولاها مخلوق، استخلاف الله في الأرض.
ولعله من أجل ذلك أبىٰ الله تعالى مغفرة ذنوب الذين أتوا لرسول الله يعتذرون ويقدمون ما وسعهم البيان من تبريرات، لكنهم لم يستغفروا، أي لم يقروا بالخطأ الذي هو أول سبيل الإصلاح، وأول درجات تحمل المسئولية، في الوقت نفسه قَبِل الله تعالى ممن أقرَّ بذنبه واعترف بتقصيره وجرمه، “وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا”، لكنهم لم يفعلوا ذلك، لم يستغفروا، لم يقروا بالذنب، ولم يعترفوا بالخطأ، وتهربوا من تحمل المسئولية.

لقد جعل الله تعالى قبول استغفار الرسول لهم موقوفاً على استغفارهم.
إنه إقرار نفسي، لا يمكن لأحد أن يُنيب عنه آخر ولو رسول الله صَلّ الله عليه وسلم والذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
ولذلك كان سيد الاستغفار هو أهم دعاء يربي مقصود الإيمان الاجتماعي في اللاوعي ليجعل من الإنسان سابحاً في فلكه دون أن يتصادم مع غيره، ودون أن ينفلت من مسئوليته، وذلك حين يقرّ بذنبه ويعترف بنعم الله حوله، فهو بهذا يُلقي باللائمة على نفسه وحدها، وهو بذلك يضع قدمه على أول طريق الإصلاح والتصحيح.

ما أحوجنا أن تتربى العقول المسلمة اليوم على معالجة الأخطاء من غير استحياء ولا تبرير، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُم“. رواه مسلم

اللهم أعنا بقوتك على ضعفنا وبغناك على فقرنا وبعلمك على جهلنا وبعزك على ذلنا، يا رب ارحم من لا راحم له سواك، ولا ناصر له سواك، ولا رازق له سواك، يا ربِّ، عُبيدك مسكين وفقير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى