اسلامياتتاريخعلوم

ابن الجوزي.. يتيم من آل أبي بكر طهّر القلوب وملأ الكتب في بغداد

أمين حبلّا

لم يكن ابن الجوزي اسما عابرا في تاريخ الفقه والتربية الإسلامية، بل كان طيفا مسافرا في الزمان والفكر وصانع “عظمة دينية” جعلته شيخ الفقه والوعظ والتاريخ والطرافة، وقد رزق قلما فياضا وذاكرة قوية، وقريحة متقدة، وكان يمده بحران من علم وأدب، يأخذ كل ما قذفا به من درر الفكر ويواقيت المواعظ ورائق البيان.

وقد ظلت كتب ابن الجوزي في مرامي قناصي أوابد الفكر وشوارد المواعظ من “صيد الخاطر” الذي يترقون به إلى “صفوة الصفوة”.

واعظ بغداد.. يتيم بكري ينهل من معارف الجامع
يرتفع نسب ابن الجوزي إلى سيدنا أبي بكر الصديق، فهو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي ابن الجوزي البكري البغدادي، ويمر نسبه في طريقه إلى الصديق بحفيده العالم الجليل القاسم بن محمد الذي كان من أبرز أساطين العلم في المدينة المنورة، وكان أحد فقهاء المدينة السبعة.

وفي بيئة علمية ودعوية عميقة نشأ ابن الجوزي، منسوبا إلى شجرة جوز كبيرة فريدة تناءت في بيت آل الجوزي عن أرضها، فلم يكن في بغداد لها مثيل، وقيل بل نسبة إلى فرضة الجوز، وهي مرفأ من مرافئ شط البصرة في العراق.

في بغداد، لازم ابن الجوزي الفقيه البغدادي أبا الفضل محمد بن ناصر ملازمة الظل، ونهل من معارفه وتخلق بشمائله
ولم تكتحل عينا عبد الرحمن برؤية والده طويلا، فقد غادر الدنيا وهو يدرج في ربيعه الثالث سنة 513 الهجرية، فعاش في رعاية أعمامه، وأولته إحدى شقائق والده عناية خاصة، فنقلته إلى جامع الفقيه البغدادي أبي الفضل محمد بن ناصر، فلازمه ملازمة الظل، ونهل من معارفه وتخلق بشمائله، وحبب إليه شيخه الوعظ، مدفوعا ببراعته فيه، وتميزه في أدائه، فسار على منواله وبزّ التلميذ شيخه، حتى صار عالم الوعظ الأول في بغداد، بل في سائر بلاد المسلمين وفي مختلف أزمانهم.

“العاقلُ يعطي بدنه من الغذاء ما يوافقه”
ساعدت الطفلَ ابن الجوزي على نجاحه التعليمي ثروتُه الهائلة التي خلفها والده، فصرف منها ذووه عليه في تعليمه، وربوه بين خمائل الرفاهية وأسِرَّة التبجيل، غير أن زهرة الدنيا لم ترق له، بل حبب إليه الزهد، ووقر في نفسه التقوى، ومالت طبيعته إلى حيث لا ثروة ولا نعيم، بل تعلقت بالمعرفة، وأشواق الروح إلى الملأ الأعلى، حيث منتهى نعيم السائرين، ومحط رحال السالكين في كبوات الحياة إلى النعيم الذي لا يَحول ولا يزول.

ويحدث ابن الجوزي عن نفسه في كتابه “صيد الخاطر” موجها الزهاد إلى التدرج في قطع أواصر الرفاهية والنعيم، قائلا: فمَن ألِفَ الترفَ فينبغي أن يتلطفَ بنفسه إذا أمكنهُ، وقد عرفتُ هذا من نفسي، فإنّي رُبّيت في ترف، فلما ابتدأتُ في التقليل وهجرِ المُشتهى أثّر معي مرضا قطعني عن كثيرٍ من التعبُد، حتى أنّي قرأتُ في أيام كل يوم خمسةَ أجزاء من القرآن، فتناولتُ يوما ما لا يصلحُ، فلم أقدر في ذلكَ اليوم على قراءتها، فقلتُ: إن لُقمةً تؤثر قراءة خمسةَ أجزاء بكل حرف عشر حسنات، إن تناوله لطاعة عظيمة، وإن مطعماً يؤذي البدن فيفوته فعلُ خير ينبغي أن يهجرَ، فالعاقلُ يعطي بدنه من الغذاء ما يوافقه.

مجلس الوعظ.. آلاف من الكبراء والنخبة وعامة الناس
أخذ ابن الجوزي بأسباب العلم وعلائق التقوى منذ نعومة أظافره وإشراق بصيرته، فكان كما يقول مؤرخو سيرته والمترجمون له “صبيا ديّنا منجمعا على نفسه، لا يُخالط أحدا، ولا يأكلُ ما فيه شبهة، ولا يخرجُ من بيته إلا للجمعة، وكان لا يلعبُ مع الصبيان”.

ابن الجوزي كان عالم الوعظ الأول في بغداد وسائر بلاد المسلمين
ويذكر أن مسيرته العلمية جالت به بين 87 شيخا منهم على سبيل المثال شيخه الأول أبو الفضل محمد بن ناصر، والمحدث اللغوي أبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقي، وابن الطبري أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر، وأبو منصور بن خيرون.

وقد أحاط بمختلف المعارف السائدة في عصره ومجتمعه من فقه حنبلي ومعارف في الحديث واللغة والقراءات، واستلم راية الوعظ من شيخه وخاله محمد بن ناصر بن عمر، فكان مجلس وعظه مهرجان دموع ووقار، وميدان توبة وانكسار، وكان البغداديون يقدرون حضور مجلسه الوعظي بأكثر من عشرة آلاف شخص من الكبراء والنخبة وعامة الناس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى