اسلامياتمجتمع

لله الخلق و الأمر

اللَّهمَّ عافِني في بدني اللهم عافني في سَمْعي، اللَّهمَّ عافِني في بَصَري، لا إلهَ إلَّا أنتَ؛ اللَّهمَّ إنِّي أَعوذُ بكَ منَ الكُفرِ والفَقرِ، اللَّهمَّ إنِّي أَعوذُ بِكَ مِن عَذابِ القَبرِ، لا إلهَ إلَّا أنتَ..

هذا الذكر من أذكار الصباح والمساء، وقد جاء الحث على ترديده وذكره ثلاث مرات، كل صباح وكل مساء..

والذي استوقفني في هذا الذكر هو هذا التقابل بين طلب العافية، والاستعاذة، والتقابل بين المطلوب عافيته، وبين المستعاذ منه، والحكمة من هذا الاختيار المقصود والدقيق؟

بمعنى آخر:
لماذا جاءت الاستعاذة، في مقابل طلب العافية؟
لماذا جاء طلب العافية في البدن والسمع والبصر، وفي مقابلها الاستعاذة من الكفر والفقر، وعذاب القبر؟
لماذا جمع الكفر والفقر في جملة واحدة؟
ولماذا الاستعاذة من عذاب القبر هنا؟

لنقف عند هذه التساؤلات:

⭐سبق أن قلنا في مقالات سابقة، أن من مقاصد أذكار الصباح والمساء، التضرع والطلب الدال على الافتقار والانكسار والحاجة الملحة، وهنا سؤال:

لماذا يحب الله من عبده أن يراه مفتقرا ملحا محتاجا؟
الجواب:

لأن الله عزوجل يعلم (ألا له الخلق والأمر) يعلم أن هذا المخلوق الإنساني، قد زوده بقدرات وإمكانات ورغبة في التطلع وقدرة على التغيير والتأثير، بخلاف باقي المخلوقات، إلا أن هذه القدرة نسبية وليست مطلقة، يعتريها الضعف والتراجع، والتجاوز والغلو، ويعتريها الجهل والتجاهل، والتوهم والتشكك، والغفلة والتظاهر، والإغراء والتغرير، لذلك قد تصيب وقد تخطئ إلا أنها إن أخطأت احيانا، أو في كثير من الأحيان يكون خط الرجعة مستحيلا أو مكلفا، لذلك فهي بحاجة إلى تسديد وتوضيح وتقويم وتفهيم وإطلاع، وهذه الحاجة ملحة في كل مراحل الحياة وعقباتها، وهذه الخمسة مصدرها الفريد والوحيد هو صاحب العلم المطلق، والحكمة المطلقة، لذلك حتى لا يتيه الإنسان، ويتخبط ويضيع الأوقات والطاقات والجهود، ويحيق به الدمار والخراب جاء بيان ضعفه وفقره (وخلق الانسان ضعيفا) (أنتم الفقراء إلى الله) ليس في ذلك إهانة للإنسان، أو تقليل من شأنه، ولكن فيه صراحة وتجسيد لواقعه، وصدق في نصحه، كما يشيد الأستاذ بتلميذه، ولكنه ينبهه إلى خطئه ونقصه، لذلك بين الله عزوجل للإنسان ضعفه وفقره، ولزيادة ترغيبه في الاتجاه إلى الجهة التي تسدده وتصلح شأنه، أكد له بأنه يحب العبد الملحاح أو كثير التضرع والافتقار، حرصا على مصلحة الإنسان،وإظهارا لرحمته وعطفه وربوبيته وقيوميته سبحانه وتعالى..

وهنا نعود إلى ما نحن بصدده..

هذا الذكر قابل بين العافية والاستعاذة، فالعافية طلب زيادة المصلحة، والتقليل من المفسدة أو انصرافها، فقولنا (اللهم عافني في بدني) أي زده نفعا وصلاحا، وقلل ضرره ومرضه أو اشفه منه واصرفه عنه..

هذه هي العافية، والاستعاذة هي طلب العوذ والوقاية والحفظ والحماية والإبعاد والصرف عن الشيء الذي يخشى منه الضرر والمفسدة..

إذن بالعافية جلب للمصلحة، ودرأ للمفسدة الواقعة بصرف أو تخفيف..

والاستعاذة وقاية من المفسدة غير الواقعة أو الحاصلة، ولكنها متوقعة ومتخوف منها، فيطلب العوذ منها..

إذن فالجمع بين طلب العافية والاستعاذة هو الحماية الكاملة الشاملة والصيانة الدائمة..

فلا غنى عن طلب العافية، ولا زهد في الاستعاذة..

⭐الآن نأتي إلى المطلوب والمستعاذ منه..

جاء طلب العافية للبدن والسمع والبصر، والملاحظ بأنه لم تجمع الثلاثة في طلب واحد، بل أفرد كل واحد في طلب على حدة، وهذا يدل على أن كل واحد منها ملف خاص، له أهميته وله تأثيره وله مصلحته..لذلك جاء الفصل والمغايرة والإفراد والتمييز، حتى يكون تنبيها إلى الاستحضار الخاص، وليس الغمر بين المعطوفات الفردية..

والملاحظ بأنه قال في سمعي، وفي بصري، ولم يقل في أذني وفي عيني، كما قال في بدني!!!
والملاحظ بأنه استعمل في الظرفية ولم يقل عافي بدني وعافي سمعي وعافي بصري..!!!

بدأ بطلب عافية البدن وهي العافية المادية، ذلك البدن الجامع لكل الأعضاء والأجهزة والمادة التي يتكون منها الجسد، فهي حفظ للمادة، فمعافاة البدن تشمل عافية كل الخلايا والذرات والانزيمات والأعضاء، والاجهزة، وهنا تنبيه إلى أهمية البدن، وأهمية الاهتمام بعافية البدن، والتوصل إلى الطريقة التي تحافظ عليه، وتحميه من الأمراض والأسقام، فيشمل ذلك برامج التغذية، والمواد الغذائية من مأكولات ومشروبات، وصناعات غذائية، كل ذلك ينبغي أن تستحضر فيه عافية البدن وطلب عافية البدن، بعيدا عن كل جشع أو بخل أو تقتير أو إغراء مادي أو خداع أو مكر، فلو أن الصناعات الغذائية، استحضرت هذا الذكر، وهذا المعنى في صناعاتها لتجاوزنا كثيرا من الأمراض والأسقام..

فالذاكر لهذا الذكر يستحضر في صبيحته ومسائه مسؤوليته عن عافية بدنه، في مأكله ومشربه وحركته ورياضته، فالدعاء ياتي قبل ومع وبعد القيام بالسبب، فلا معنى ل(اللهم عافني في بدني) مع غياب وانعدام والغفلة عن سبب تلك العافية..

عافني في بدني تدعوك إلى التغذية السليمة..
عافني في بدني تدعوك إلى الرياضة القويمة..
عافني في بدني تدعوك إلى الاهتمام بالروح والعبادة، فأنت تدعو من بيده الخلق والأمر ليعافيك في بدنك..
عافني في بدني تدعوك إلى ترك الخبائث والمحرمات..
عافني في بدني تدعوك إلى الاهتمام بدوائك ووسائل شفائك..

⭐اللهم عافني في سمعي اللهم عافني في بصري..

لم يقل اللهم عافني في أذني!! ولم يقل اللهم عافني في عبني بل قال سمعي، وقال بصري لأن الأذن والعين داخلتان في البدن، وبالتالي فهما داخلتان في طلب العافية البدنية..

وإنما جاء التعبير بالسمع والبصر للإشارة إلى نوع آخر من العافية، وهي العافية الوظيفية، فالجهاز قد يكون معافى، ولكنه معطل عن وظيفته، وهنا تنعدم مصلحة عافية الجهاز أو المادة، لذلك جاء ذكر الوظيفة، وهي السمع والبصر، فلابد من الاهتمام بعافية الوظيفة تلك العافية المعنوية، التي تعين الجهاز على أداء وظيفته المسؤول عنها، وبالطريقة الصحيحة المثمرة والقدر الكافي..

ف(عافني في سمعي) تدعوك إلى حماية سمعك من أي ضرر جسدي حتى لا يضعف سمعك أو تصاب بالصمم..
عافني في سمعي تدعوك إلى صيانة سمعك إن كان يحتاج إلى علاج أو وقاية..
عافني في سمعي تدعوك إلى اختيار المسموع النافع والأنفع، ولانصراف عن المسموع الفاسد والأفسد..

وكذلك عافني في بصري تدعوك إلى حماية بصرك من أي ضرر جسدي حتى لا يضعف بصرك أو تصاب بالعمى..
عافني في بصري تدعوك إلى صيانة بصرك إن كان يحتاج إلى علاج أو وقاية..
عافني في بصري تدعوك إلى اختيار المبصر النافع والأنفع، والانصراف عن المبصر الفاسد والأفسد والمفسد..

وتم التقديم السمع على البصر، لأن ضبطه أصعب من ضبط البصر، والمقام مقام عافية لذلك جاء تقديمه..

وتم الاقتصار على هاتين الوظيفتين، لأهميتهما في صلاح البدن، وهنا تظهر أهمية العافية المعنوية والعقلية، فلم يؤدف عافية البدن بعافية الذوق أو الشم، وإنما أردفها بعافية السمع، الذي يوصل المعلومة السمعية، ويستطيع الشخص من خلاله أن يسمع ويستمع وينصت، فيفهم ويدرك، ثم يعمل ويطبق، وكذلك الأمر بالنسبة للبصر، أما تنمية البدن ماديا فهي مفهومة في (عافني في بدني) وإنما المغفول عنه أو المجهول أو المتجاهل أو المزدرى، هو عافية البدن المعنوية والعقلية، التي تكون بريدا إلى عافيته الروحية..

والملاحظ كذلك استخدام (في) رغم أن تعدية العافية قد تستغني عنها فنقول (اللهم عافي بدني، وعافي سمعي، وعافي بصري) فلماذا (في) ؟

لأنها عافية مخصوصة وخاصة وتفصيلية وموجهة، فجاء الدعاء بتوجيه العافية لي (اللهم عافني) ثم جاء التخصيص بظرف خاص ومعنى خاص فللبدن عافيته الخاصة، وللسمع عافيته الخاصة، وللبصر عافيته الخاصة، وينبغي الاهتمام بكل عافية على حدة كما سبق بيانه، لأن وراء كل عافية مصلحة خاصة..

ثم جاء ذكر كلمة التوحيد (لا إله إلا أنت) للدلالة على أن هذه الانواع من العافية ليس لها مصدر إلا من الرب سبحانه، ولا يمكن أن تنتظم وتستمر وتقنن وتخطط وتوجه وترشد إلا من خلال شرعه وعبوديته، فلابد من الربوبية في الاصل والألوهية في التطبيق، لذلك جاء التعبير ب (لا إله إلا أنت)

⭐ثم بعد ذلك ننتقل إلى الشق الثاني من الدعاء والذكر وهو الاستعاذة، وجاءت من ثلاثة أمور: من الكفر والفقر، ومن عذاب القبر..

أما الكفر، فقد يشمل معنييه الكفر بالله، وكفر النعمة، فهو عوذ واستعاذة من الكفر الذي يدل على تغطية الحقيقة او الغفلة عنها، او جهلها او تجاهلها او ازدراؤها، وهذا يؤدي إلى التيه والضلال والانحراف ، والتبذير والإسراف، والتوهم والتشكك وانقلاب المفاهيم، والانصراف عن معاقل الحقيقة ومنابع الحكمة، والغواية والتغرير والاغترار، ومن ثم الدمار والانتهاء..

هذه هي سبيل الكفر وطريقه ومعالمه ومآلاته، لذلك جاءت الاستعاذة منه، وعطف عليه الفقر، فمآلات الكفر تؤدي إلى الفقر، بل الكفر رضى بالفقر، فالله عزوجل يقول لنا (انتم الفقراء إلى الله) فمن قطع حبل الله، وتجاهل يد الله، وغنى الله، وطريق الله، وعلم الله وحكمته، فقد رضي بالفقر، وأمعن فيه، فعالم الكفر هو عالم فقر، والعالم الذي يقوده الكفر هو عالم يغوص في مستنقعات الفقر..

قد تقول لي: كلامه خيالي وليس واقعيا، ألا ترى الدول الكافرة، أكثر تطورا وثراءا وغنى وتنظيما، من دول الإسلام والمساجد؟ فأين حقيقة ما تقول؟

الجواب: أن ذلك الغنى وذلك الثراء وذلك التنظيم، معروف ومشهود وغير منكر، ولكنه تنظيم صوري، انتقائي ازدواجي مصلحي مادي دنيوي، وهذا حال اي تطور أو تقدم يقوده من لا يومن بالله واليوم الآخر، قد تكون عنده طاقة إنسانية أو عدلية أو اخلاقية، ولكن سرعان ما تطغى عليها المصالح الشخصية والسياسية والآنية، وتغلب النزعة المادية الروح العلوية..لذلك يبقى العالم على شفى جرف هار، وعلى كف عفريت كما يقال، لا قرار له ولا استقرار، ولا أمن ولا أمان، تغلبه المادية والعنصرية والتآمر، والتشاحن والتباغض، والتجويع والتفقير والإتخام..

هذا ونحن نتحدث عن الجانب المادي، أما الجانب الروحي والأخلاقي، فإنه ينعدم وينقرض، أو في طريقه إلى الانعدام والانقراض.
إذن فالكفر محضن الفقر، وبريد له ورضى به، لذلك جاءت الاستعاذة منهما موحدة (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر)

⭐ثم جاءت الاستعاذة من عذاب القبر..

قبل الحديث عن هذا المقطع لنقف عند تساؤل سبق طرحه وهو:
لماذا جاء طلب العافية في البدن والسمع والبصر، وقابله الاستعاذة من الكفر والفقر وعذاب القبر..؟؟

هنا يظهر فقه الأولويات لتلك العافية، وقد تحدثنا سابقا عن معنى عافية البدن وغايتها ومعنى عافية السمع والبصر، فأولى تلك المصالح والمقاصد لتلك العافية، والتي ينبغي استحضارها، في نعمة البدن وتربيته ونعمة السمع وتربيته، ونعمة البصر وتربيته، هو عدم الوقوع في الكفر، والاستعاذة منه والابتعاد عنه، والانصراف عنه، والتطهر منه، ومكافحته وفي المقابل، الثبات على الإيمان،والبحث عنه وإشاعته واستحضاره وإحضاره والانطلاق منه وتطويره وتنميته، فما خلق البدن وما خلق السمع والبصر، إلا ليتوصل إلى الإيمان، فينبغي ان يكون هو أولى الأولويات، وفي المقابل الاستعاذة من الكفر، لأنه يدمر عافية ذلك البدن وعافية ذلك السمع وعافية ذلك البصر، وإن ظُنّ أو تُوُهم أن فيه الصلاح والنفع والازدياد والتطور، فالكفر محضن الفقر ووكره وبريده، وإن اختفى ذلك وتظاهر عكسه، وعالم يقوده الكفر، مآله إلى الدمار والخراب..والواقع خير دليل على هذا التوصيف والتدقيق، الذي يبدأ به المسلم صباحه ويختم به مساءه..

والاستعاذة من عذاب القبر، جاءت منفصلة وخاصة، لأنه عذاب بيني، وعذاب روحي، قد يستمر لعقود وقرون، كمن حكم عليه بالإعدام، ولم ينفد الحكم بعد، فإنه يعيش نوعا آخر من العذاب، عذاب الانتظار، وعذاب اليأس، وعذاب الإحساس بفوات الأوان، وعذاب الندم، وعذاب تصور وتخيل لحظة تنفيذ الحكم، هذا نوع خاص من العذاب يحتاج إلى استعاذة خاصة، وأوسع أبواب هذا العذاب هو الكفر، لذلك جاء بعده..

(اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، واعوذ بك من عذاب القبر)

ثم جاء ذكر كلمة التوحيد (لا إله إلا أنت) للدلالة على أن هذه الانواع من الاستعاذة والعوذ ليس لها مصدر إلا من الرب سبحانه، ولا يمكن أن تفهم حقيقتها وخطورة مفسدتها ومآلاتها الوخيمة، وإن تظاهرت بعيدة غير متوقعة إلا من خلال شرعه وعبوديته، فلابد من الربوبية في الاصل والألوهية في الفهم والتحصين والتطبيق، لذلك جاء التعبير ب (لا إله إلا أنت)

والحمد لله رب العالمين

سفيان أبوزيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى