سياسة

بعد منع السفير الأردني من دخول الأقصى.. ما المطلوب من الأردن في مواجهة الاحتلال؟

في آخر تجليات الاعتداء على الدور الأردني في الأقصى، اعترضت شرطة الاحتلال، يوم الثلاثاء 2023/1/17، السفير الأردني غسان المجالي ومنعته من دخول المسجد.

ووفق بيان صادر عن مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في القدس، فقد لاحق أحد افراد شرطة الاحتلال السفير المجالي لدى دخوله إلى الأقصى من جهة باب الأسباط مع مرافقيه، واعترض طريقه داخل باحات المسجد ومنعه من الدخول بحجة عدم وجود تنسيق مسبق.

وعلى الرغم من أن السفير عاد ليدخل الأقصى بعد بعض الوقت، إلا أنّ ذلك لا ينفي أنّ اعتراضه من قبل شرطة الاحتلال جزء من الاعتداء المستمر على المسجد الأقصى وعلى الدور الأردني فيه، وضمن سياسة التعامل مع المسجد كمقدس يهودي تديره سلطات الاحتلال.

الاعتداء جزء من محاولات تغيير الوضع القائم التاريخي

السفير الأردني من دخول الأقصى ليس الاعتداء الأول على الدور الأردني في المسجد، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من الاعتداءات، تحرص سلطات الاحتلال على استمرارها في سياق مساعيها لإنهاء الدور الأردني في الأقصى وتغيير الوضع القائم التاريخي في المسجد.

فعلى مدى السنوات السابقة، توالت اعتداءات الاحتلال على الدور الأردني، ومن مظاهر ذلك اغتصاب صلاحيات ترميم أسوار المسجد في عام 2018، ومنع الأوقاف من أعمال الترميم والصيانة في الأقصى وصولاً إلى اعتقال ثلاثة من موظّفي الأوقاف في حزيران/يونيو 2019 لترميمهم بلاطة عند مدخل باب القطانين، أحد الأبواب الرئيسة للأقصى. كذلك، تمنع قوات الاحتلال حرّاس الأقصى من الاقتراب من مجموعات المستوطنين في أثناء اقتحامهم المسجد للحؤول دون مراقبتهم سلوك الجماعات المُقتحِمة، وتوثيق ممارساتهم.

ومن مظاهر الاعتداء على الدور الأردني الاعتقالات التي تنفّذها قوات الاحتلال بحقّ موظّفي الأوقاف، لا سيّما مَن يتصدّون منهم لاعتداءات المستوطنين في أثناء اقتحامهم الأقصى، والتحقيق معهم في مراكز التحقيق الإسرائيلية، وإصدار قرارات بإبعادهم عن المسجد، مكان عملهم. ولم تستثنِ قرارات الاعتقال كبار موظّفي الأوقاف ومن ذلك اعتقال رئيس مجلس الأوقاف والشؤون والمُقدَّسات الإسلامية في القدس، الشيخ عبد العظيم سلهب، ونائب المدير العام لدائرة الأوقاف ناجح بكيرات، في شباط/فبراير 2019 وذلك عقب فتح باب الرحمة والصلاة فيه في هبّة باب الرحمة.

وكانت محاولة الاحتلال تثبيت بوابات إلكترونية عند أبواب المسجد الأقصى عام 2017، ضمن محاولات تثبيت السيادة الأمنيّة للاحتلال على الأقصى وروّاده، ما يعني مزيدًا من التّحكّم بالوجود الإسلامي فيه، ومزيدًا من تهميش الدور الأردني وإقصاء الأوقاف، وهي محاولة أفشلتها هبة باب الأسباط.

وفي السياق ذاته، كان إغلاق باب الرحمة منذ عام 2003 حتى عام 2019 عندما فتحته جماهير القدس في هبة باب الرحمة، فيما مارس الاحتلال ضغوطًا على الأردن لإخلاء المبنى أو تحويله إلى مكاتب، وعلى الرغم من إعلان الأردن أنّ المبنى مصلّى وجزء لا يتجزأ من الأقصى، فإنّ الاحتلال لا يزال مستمرًا في استهداف المبنى والمنطقة الشرقية من المسجد التي يقع فيها، فيما يتّخذ المستوطنون من هذه المنطقة محطّة لأداء صلواتهم في أثناء اقتحام الأقصى.

يضاف إلى ذلك، صدور دعوات واضحة وصريحة بضرورة إنهاء الدور الأردني في الأقصى لتعارضه مع السيادة الإسرائيلية المزعومة على المكان، ففي عام 2014، حاول عضو “الكنيست” آنذاك موشيه فايغلين مناقشة إنهاء الوصاية الأردنية على الأقصى ووضع المسجد تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة، لكنّ المشروع لم يمرّ. وتطالب “جماعات المعبد” بإخراج الأوقاف من الأقصى وإنهاء الدور الأردني، فيما رحّب ناشطون من هذه الجماعات بالزيارات التطبيعية للمسجد على أثر “اتفاقات أبراهام”، ودعوا المطبّعين إلى العمل معًا لإخراج الأوقاف من الأقصى وإنهاء دور الأردن في المسجد.

مواقف وإدانات

دانت وزارة الخارجية الأردنية اعتراض شرطة الاحتلال سفيرها في “تل أبيب” لدى دخوله إلى الأقصى، وأعلنت عن استدعاء السفير الإسرائيلي، في عمان، احتجاجًا على اعتراض السفير الأردني على أبواب المسجد.

وقالت الخارجية الأردنية، في بيان في 1/17، إن “جميع إجراءات الاحتلال بحّق الحرم هي تدخلات غير مشروعة واستفزازية واعتداء على صلاحيات إدارة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى المبارك التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية في اعتبارها صاحبة الاختصاص الحصري بإدارة كافة شؤون الحرم”.

كذلك، دانت وزارة الخارجية الفلسطينية اعتراض السفير الأردني وأكدت أن “جميع إجراءات الاحتلال في الأقصى تدخلات غير مشروعة واستفزازية”.

وعدّ مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية بالقدس الخطوة تطورًا خطيرًا، وانتهاكًا غير مسبوق، مشيرًا إلى أنّ السفير معروف جيدًا لأفراد وضباط شرطة الاحتلال. وحذّر المجلس من هذا التصعيد الخطير الذي بدأت تنتهجه شرطة الاحتلال وبتعليمات من حكومتها، في محاولة لإظهار فرض سيادتها على المسجد الأقصى غير آبهة للوضع التاريخي والديني والقانوني القائم للمسجد الأقصى.

وأكّد المجلس أن “هذه الاجراءات التي تفرضها حكومة الاحتلال بمنطق القوة لن تدوم، ولن تغير من إيماننا الراسخ بأن المسجد الأقصى المبارك هو مسجد إسلامي للمسلمين وحدهم بمساحته البالغة 144 دونمًا بجميع مصلياته وساحاته وأروقته فوق الأرض وتحت الأرض”.

القدس الدولية: عدوان الاحتلال يجب أن يدفع الأردن إلى مراجعة مواقفه وعلاقته مع الاحتلال

بعد منع الاحتلال السفير الأردني من دخول الأقصى، أكّدت مؤسسة القدس الدولية رفض تدخل الاحتلال بأي شأن من شؤون المسجد الأقصى الدينية أو الإدارية أو الفنية، وقالت المؤسسة في بيان صادر في 2023/1/18، إنّ جرأة الاحتلال على منع سفير الأردن، الدولة التي يجب أن تكون مشرفة حصرًا على شؤون الأقصى، من الدخول إلى المسجد خطوة متمادية لم يجرؤ عليها الاحتلال إلا بعد اطمئنانه لسقف الموقف العملي والقولي الذي لم يكن على مستوى المخاطر التي تهدد الأقصى عبر السنوات العشر الماضية على الأقل، مشدّدة على ضرورة التنبّه لخطورة عدم الحزم مع جرائم الاحتلال بحق الأقصى وموظفيه ومرابطيه ورواده.

وقالت المؤسسة إنّ هذه الحكومة الصهيونية الدينية اليمينية المتطرفة أكثر الحكومات الإسرائيلية إجماعًا على تكثيف الاعتداءات على المسجد الأقصى، وتغيير الوضع القائم التاريخي فيه، ولا يفصلنا وقت طويل لنرى الاحتلال يثبت وقائع جديدة ونوعية لمصلحته في الأقصى وصولًا إلى تشريع أبواب المسجد أمام أكبر عدد من المستوطنين المقتحمين اليهود، وأمام كل الطقوس والصلوات اليهودية داخله، في مقابل إلغاء أيّ دور إسلامي فيه، ما لم تكن هناك مواجهة حقيقية يخوضها الشعب الفلسطيني والأردن وسائر مكونات الأمة الرسمية والشعبية ضد سياسات الاحتلال ومخططاته.

ولفتت المؤسسة إلى أنّ تمادي الاحتلال في اعتداءاته يجب أن يدفع الأردن إلى مراجعة عاجلة لتعاطيه مع قضية الأقصى، وإلى مراجعة لجدوى مساره باتجاه مزيد من تعزيز العلاقات مع الاحتلال في مجالات كثيرة عبر اتفاقيات لن تعود على الأردن إلا بالضرر لأن الاحتلال طرف فيها، ولا يُتصور أن يرجو هذا الاحتلالُ الغاشم الخيرَ للأردن والأمة، خاصة مع وجود حكومة الصهاينة الدينيين المتطرفين.

وختمت المؤسسة بيانها بالتنبيه إلى أنّ استدعاء السفير الإسرائيلي في الأردن وتوجيه رسالة احتجاج شديدة اللهجة له ولكيانه الغاصب، خطوة يجب أن يتبعها خطوات أكثر ضغطًا على الاحتلال، ولا أقل من قطع العلاقات معه، وتبني الحراك الشعبي الفلسطيني والأردني الهادف إلى التصدي لمخططات الاحتلال حيال الأقصى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى