اقتصادسياسة

أزمة الطاقة

بأبعادها التي تجاوزت العسكري والسياسي، سلطت الحرب في أوكرانيا الأنظار على معركة الغاز الكبرى على الصعيد العالمي، فهذه الأزمة بتداعياتها على الأسواق الدولية أيقظت الكثير من المخاوف حول أمن الطاقة في العالم، وتحكم بعض الدول المنتجة في خطوط الإنتاج والإمداد والأسعار. كما أبرزت أهمية الغاز الطبيعي كمصدر طاقة حيوي. وفي وقت مازالت مصادر الطاقة البديلة تبحث عن موطئ قدم، يبقى الغاز العامل الرئيسي الذي يوجه الاقتصاد والسياسة العالمية معا.

كانت الأزمات العالمية الكبرى تاريخيا مغلفة بثوب اقتصادي، وارتبطت الحروب والنزاعات الدولية، بما فيها الحملات الاستعمارية، بتعزيز المجال الحيوي والبحث عن مكامن الثروات بمعايير كل حقبة (مناجم الفحم، الذهب، الماس، ثم النفط والغاز، التحكم في طرق وممرات التجارة..). وارتبطت إستراتيجيات بعض الدول العظمى وأمنها القومي (الولايات المتحدة) بالحفاظ على أمنها الطاقي، وضمان تدفق النفط من مصدره (الخليج العربي خصوصا) وطرق إمداده، بما في ذلك الحفاظ على أمن واستقرار هذه الدول.

السنواتِ الأخيرة، أصبح الغاز الطبيعي من أهم مصادر الطاقة المطلوبة عالميا لعدة أسباب، من بينها تزايد طلب الدول الصناعية وزيادة حجم الإنتاج الصناعي والاستهلاك المنزلي، وضعف الاعتماد على الطاقات البديلة، حيث مازال الوقود الأحفوري (النفط والغاز وكذلك الفحم) يمثل نسبة 80% من مصادر الطاقة الأولية في العالم.

برميل النفط المكافئ (Barrel of oil equivalent ): هو مقياس لحجم الهيدروكربون (يستخدم عادة للغاز الطبيعي) ويعتمد تقريبيا على الطاقة الناتجة من احتراق برميل واحد من النفط الخام (159 لترا) وهو طريقة لمقارنة أحجام الغاز الطبيعي بالنفط الخام عند قياس الاحتياطيات أو الإنتاج.

عصر الغاز الذهبي
عام 2011، أكدت وكالة الطاقة الدولية في تقرير لها أن العالم بدأ يدخل “عصر الغاز الذهبي”. ولم يكن الغاز قبل ذلك في نفس أهمية النفط بالأسواق العالمية، لكنه بدأ يشق طريقه ليصبح مصدر الطاقة الأساسية لأسباب متعددة.

وقبل أربعينيات القرن الماضي، لم يكن هناك اهتمام شديد بالغاز الطبيعي مقارنة بالفحم أو النفط، وكان يتم تصريف وإحراق ما يكتشف منه، سواء كغاز مصاحب للنفط أو منفردا. وتشير الدراسات إلى أن أول استخدام معروف وممنهج للغاز شهدته الولايات المتحدة في القرن 18 في بعض أعمال الإنارة أو تجفيف الملح. بينما كان الصينيون قديما هم من اكتشفوا أهمية الغاز، بل ونقلوه في أنابيب من القصب وفق ما نقلت بعض التقارير والأبحاث.

ورغم عدم الجزم علميا بنضوب نهائي للنفط، تشير التقديرات إلى أن احتياطات النفط المتاحة حاليا في العالم ستنفد تقريبا خلال الـ 50 سنة المقبلة. ويقدر أن تنفد احتياطات العراق المتاحة مثلا في غضون 70 سنة والسعودية في غضون 40 سنة وإيران خلال 50 سنة، لذلك سيكون الغاز مصدرا حيويا للطاقة خلال العقود القادمة، رغم أن الاحتياطات المؤكدة حاليا تكفي بدورها أيضا لنحو 52 سنة.

وتؤكد بعض التقديرات أن احتياطات الغاز المؤكدة في العالم تبلغ 6923 تريليون قدم مكعبة عام 2019 (نحو 207 تريليونات متر مكعب) و1.6 تريليون برميل من النفط المكافئ، وهي تعادل 52.3 مرة الاستهلاك السنوي العالمي. ويعني ذلك أن المخزونات تكفي لنحو 52 عاما عند مستويات الاستهلاك الحالية، باستثناء الاحتياطيات غير المثبتة أو التي سيتم اكتشافها.

وتشير بيانات منظمة الدول المصدرة للنفط إلى أن الاعتماد العالمي على الغاز الطبيعي سيتزايد بشكل مطرد خلال العقدين القادمين، وساهمت عدة أسباب في حدوث تغيرات واضحة في خريطة إنتاج الغاز الطبيعي وتصديره واستهلاكه عالميا. كما برزت الكثير من المؤشرات على حدة التنافس على مصادره وخطوط إنتاجه وممراته وأنابيب تصديره، ومن تلك الأسباب:

– تحول الدول المصنعة وخاصة ذات الاستهلاك العالي للطاقة (أوروبا، اليابان، الصين..) إلى إجراءات تسعى للحد من التلوث البيئي، وإغلاقها العديد من المفاعلات النووية المولدة للطاقة ومناجم الفحم ووقف استيراده، واعتمادها على الغاز الطبيعي كمصدر نظيف ومضمون للطاقة.

– الزيادة الكبيرة في حجم الإنتاج الصناعي والاستهلاك المنزلي عالميا
– محاولة إيجاد سوق بديلة عن النفط الخام التي تتحكم في تدفقاته وأسعاره منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)
– التنويع في الطاقة ومصادرها
– زيادة المخزونات الإستراتيجية تجنبا للأزمات
– سهولة نقل وخزن الغاز مقارنة بالنفط
– مرونة سوق الغاز الطبيعي في تحسين أمن الإمدادات
– الغاز يعد مصدر الطاقة الأرخص والأقل كلفة

وتشير تقديرات “غلوبال إينرجي مونيتور” (Global Energy Monitor) إلى تزايد مستمر للطلب العالمي على الغاز، خصوصا في أميركا الشمالية ومنطقة آسيا والباسيفيك (المحيط الهادي) كما يظهر الإنفوغراف التالي.

كيف يتكون الغاز؟
يتكون الغاز الطبيعي أساسا من الميثان “سي إتش 4” (CH4) بنسبة تتراوح بين 70% و98%، وهو غاز قابل للاشتعال ولا لون ولا رائحة له، كما يتركب من كميات أقل من الإيثان “سي إتش 3” (CH3) والبروبان “سي 3 إتش 8” (C3H8) والبيوتان “سي 4 إتش 10” (C4H10) والبنتان “سي 5 إتش 12” (C5H12) وغازات غير هيدروكربونية مثل ثاني أوكسيد الكربون “سي أو 2” (CO2) وبخار الماء “إتش 2 أو” (H2O).

ويتشكل الغاز كمادة أحفورية (مثل النفط والفحم) في باطن الأرض من العوالق والكائنات المجهرية وبقايا الحيوانات والنباتات والكائنات الصغيرة التي عاشت قبل ملايين السنين، والتي انضغطت تحت طبقات رسوبية، مختلطة بالرمل والطمي والصخور وكربونات الكالسيوم. وعبر آلاف السنين تتحول هذه المواد العضوية إلى غاز طبيعي بفعل الضغط والحرارة.

ويسمى الغاز الطبيعي -الذي يتكون فقط من الميثان- الغاز الطبيعي الجاف (Dry Natural gas) بينما يسمى الغاز الطبيعي -الذي لا يحتوي على ميثان- الغاز الطبيعي الرطب (Wet natural gas).

ويوجد الغاز الطبيعي في الأماكن التي فيها شروخ ومسافات كبيرة بين طبقات الصخور، ويطلق على هذا النوع اسم الغاز الطبيعي التقليدي، ويكون غازا مصاحبا (Associated gas) حيث يستخرج مع النفط الخام. وغاز غير مصاحب (Non-associated gas) یوجد في آبار عميقة بصورة مستقلة عن إنتاج النفط الخام.

الغاز الصخري (shale gas): هو الغاز الطبيعي الذي يوجد في الفجوات والفراغات الصغيرة داخل بعض تشكيلات الطفل أو السجيل (Shale) أو الحجر الرملي وأنواع أخرى من الصخور الرسوبية، ويسمى أيضا الغاز المكتوم (tight gas) أو الغاز الطبيعي غير التقليدي.
ميثان طبقة الفحم (coalbed methane): توجد رواسب الغاز الطبيعي على اليابسة، وبعضها بعيد عن اليابسة في أعماق المحيط. وهناك نوع من الغاز الطبيعي موجود في رواسب الفحم.
وفي الأصل، يعد الغاز الطبيعي عديم الرائحة، وتتم إضافة مواد كيميائية عند استخراجه لتسهل الكشف عن التسريبات في حال حدوث تضرر للأنابيب الناقلة. وتتم معالجة الغاز الطبيعي الرطب لتنقيته من سوائل الغاز الطبيعي (NGL) بينما لا يحتاج الغاز الطبيعي الجاف إلى المعالجة.

الغاز المسال (Liquefied gas): هو غاز طبيعي تم تحويله من حالته الغازية -التي يوجد عليها في الطبيعة- إلى الحالة السائلة، عن طريق تبريده إلى 162 درجة مئوية تحت الصفر، فيصبح على شكل سائل عديم اللون والرائحة.

كيف يسعّر الغاز؟
على عكس أسعار النفط التي تحدد بالبرميل، وتخضع للعرض والطلب وتقديرات منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” (OPEC) لا توجد طريقة واحدة لتسعير الغاز الطبيعي، ولا توجد أيضا سوق واحدة له. وتحدد قواعد الأسعار حسب العقد والموقع والبلد ونوع الغاز وطريقة النقل وقواعد العرض والطلب المتغيرة. وتختلف الأسعار حسب كل عقد توريد بين الدولة المصدرة والمستوردة، وعلى طول الأنابيب وعدد الدول التي تمر عبرها، ورسوم المرور، واختلاف الظروف وتكاليف الاستخراج والتخزين والنقل.

وبشكل ما، يرتبط سعر الغاز المسال بأسعار النفط العالمية، فكل برميل نفط يحتوي على نحو 5.8 ملايين وحدة حرارية، فإذا كان سعر البرميل 70 دولارا يكون بذلك سعر المليون وحدة حرارية من النفط نحو 12 دولارا، ولذلك فإن كثيرا من الدول المنتجة للغاز الطبيعي والمسال ترى ربط الأسعار لتتوافق مع أسعار النفط العالمية.

الوحدة الحرارية البريطانية “بي تي يو” (BTU) هي إحدى وحدات المقاييس التي تُستَخدَم لمعرفة كمية الطاقة بالمنتجات النفطية وغيرها مثل الفحم. فبرميل النفط يحتوي على 5.8 ملايين وحدة حرارية تقريبا، ويقدر استهلاك الغاز الطبيعي بمليون وحدة حرارية بريطانية “إم إم بي تي يو” (MMBTU) وهو ما يعادل تقريبا 28.26 مترا مكعبا من الغاز الطبيعي حسب كثافة الغاز.

وتتميز السوق الأميركية باستقلاليتها عن السوق العالمية للغاز، فالأسعار فيها تتغير تبعا لعوامل داخلية فقط، ويتولى تحديد أسعار بيع الغاز مركز “هنري هوب” لتجارة الغاز (Henry Hub) والذي يقوم بتسعير عقود بيع الغاز الآجلة على أساس معادلة العرض والطلب.

وفي آسيا، يتم تسعير الغاز وفق عقود طويلة الأجل، بما يساعد في فصل الأسواق والموردين عن الأسعار الفورية المرتفعة، وبذلك تعد استجابة الطلب على الغاز في آسيا مختلفة عن الولايات المتحدة وأوروبا. أما في أوروبا فيتوسط السعر بشكل ما أسعار الغاز الطبيعي بالولايات المتحدة وباقي الأسواق العالمية، وتعتمد السوق الأوروبية على مصدرين اثنين، هما الغاز المسال (عبر الناقلات) والغاز الروسي (خطوط الأنابيب خصوصا “نورد ستريم 1”) ويقل سعر الغاز الروسي عن الغاز المسال بنسبة قد تصل إلى 40%.

ولا توجد منظمة دولية للدول المصدرة للغاز، مثل منظمة أوبك، تحدد الأسعار وتضبط سقف الإنتاج، لكن منتدى الدول المصدرة للغاز “جي إي سي إف” (GECF) كمنظمة حكومية دولية، يتولى التنسيق بين الدول الكبرى المنتجة والمصدرة للغاز، وتأسس المنتدى عام 2001 في طهران (إيران) ومقره الدوحة (قطر).

يضم المنتدى 11 دولة: روسيا، قطر، الجزائر، بوليفيا، مصر، غينيا الاستوائية، إيران، ليبيا، نيجيريا، ترينداد وتوباغو، فنزويلا، بالإضافة إلى 8 دول بصفة عضو مراقب.

ويتحكم أعضاؤه -بحسب موقعه- في أكثر من 71% من احتياطيات المؤكدة في العالم، و44% من إنتاجه المسوّق، و53% من الإنتاج المصدّر عبر خطوط الأنابيب، و57% من صادرات الغاز الطبيعي المسال في جميع أنحاء العالم.

خطوط الغاز.. شرايين العالم
مشروعات خطوط الغاز الطبيعي- صفحة وزارة البترول المصرية
يستهلك العالم يوميا 100 مليون برميل من النفط و60 مليونا برميل من الغاز المكافئ. وعلى مدار 50 عاما الماضية، تضاعف الاستهلاك السنوي للطاقة في العالم 3 مرات تقريبا، من 62 ألفا و949 تيراوات ساعة (1 تيراوات = مليون ميغاوات/ 1 ميغاوات = مليون وات) عام 1969 إلى 173 ألفا و340 تيراوات ساعة عام 2019. ومن المنتظر أن يتزايد الاستهلاك بشكل كبير خلال العقود القادمة.

وفقا لـ (Global Energy Monitor) يوجد 2381 خط أنابيب نفط وغاز عاملة موزعة على حوالي 162 دولة حتى ديسمبر/كانون الأول 2020. ويبلغ الطول الإجمالي لهذه الأنابيب أكثر من 1.18 مليون كيلومتر، وهو ما يكفي للدوران حول الأرض 30 مرة.

توجد معظم هذه الأنابيب بالولايات المتحدة وكندا وروسيا والصين وأستراليا. وإضافة إلى الدول، تسيطر شركات كبرى في العالم على أهم خطوط أنابيب نقل الغاز، وتمتلك بالتالي نفوذا كبيرا على أسواق الغاز العالمية وعلى إمدادات الطاقة. وتصنف شركتا “ترانسفت” (Transneft) و”غاز بروم” (Gasprom) الروسيتان ضمن أهم الشركات العالمية المتحكمة في خطوط نقل الغاز، خصوصا باتجاه أوروبا والصين.

ولا تقتصر معارك الغاز على الدول المصدرة والمستهلكة، بل على الدول التي تعبرها خطوط نقله. وتحولت بذلك إلى شرايين حياة لدول وكيانات، ووسائل ضغط لتحقيق غايات اقتصادية وسياسية وعسكرية أحيانا. وأصبحت هذه الخطوط أهدافا رئيسية لقوى إقليمية وعالمية، مثل الخلافات حول غاز شرق المتوسط بين تركيا واليونان حول ترسيم الجرف القاري والمناطق الاقتصادية، وبين تركيا وقبرص، وبين لبنان وإسرائيل.

وتمتلك معظم هذه الدول -التي يضمها الإنفوغراف- أهم الاحتياطات العالمية من الغاز الطبيعي، وهي بالتالي تسيطر على الأسواق العالمية ونظام الأسعار والإمدادات، وستبقى كذلك خلال العقود القادمة. كما ستخضع بعضها للصراعات الجيوإستراتيجية بين القوى العالمية الكبرى من أجل ضمان تدفق الغاز بشكل مستمر وكاف إلى الأسواق.

وتسيطر بضع شركات أيضا على أسواق الطاقة في العالم (النفط والغاز) خصوصا على مستوى التنقيب والاستخراج ثم الإمدادات، مما يجعلها قوى ضغط مؤثرة على الاقتصاد العالمي وكذلك على صناعة القرار السياسي، كما ثبت في عديد المحطات التاريخية.

وقد كشفت الحرب الروسية في أوكرانيا تشعب الأزمة، وكيف أصبح الغاز ورقة ضغط في أيدي بعض القوى المنتجة (مثل روسيا) بينما تعاني قوى دولية (خصوصا أوروبا واليابان والصين وكوريا الجنوبية..) من سطوة هذا السلاح الناعم نتيجة حاجتها الماسة والمتزايدة إلى الطاقة.

وتصنف بعض الدول (الولايات المتحدة، روسيا والصين خصوصا) ضمن أكبر المنتجين للغاز والمصدرين في العالم، وكذلك ضمن أكبر البلدان المستهلكة لهذه المادة، بينما يعد الاتحاد الأوروبي الأكثر استهلاكا والأقل إنتاجا والأكثر اعتمادا على الواردات، خصوصا من روسيا.

روسيا وسلاح الغاز
أصبحت السيطرة على موارد الغاز الطبيعي وأنابيبه وممراته أحد المعايير المهمة للقوة الجيوسياسية في العالم وتشكيل النظام الدولي، وقد أدركت روسيا -خصوصا في حقبة الرئيس فلاديمير بوتين- أن التركيز على القوة العسكرية مقابل ضعف النفوذ والسيطرة على مكامن ومصادر الطاقة العالمية وخطوط إمداداتها كانت أحد أسباب وهن الاتحاد السوفياتي السابق وربما تفككه، فنشأت الحاجة إلى أداة ضغط بديلة، خصوصا على الجار الأوروبي، وبذلك أصبحت روسيا لاعبا أساسيا في معادلة الغاز العالمية.

وعبر 7 خطوط أنابيب، تعتمد أوروبا بنسبة 45% من احتياجاتها على الغاز الروسي. وعام 2021 بلغ إجمالي صادرات الغاز الروسي إلى التكتل الأوروبي قرابة 155 مليار متر مكعب، وبعد إطلاق موسكو عمليتها العسكرية في أوكرانيا أواخر فبراير/شباط 2022 واتخاذ عقوبات وعقوبات مضادة، تراجعت هذه الصادرات إلى 9%، مما أدخل الاتحاد الأوروبي في أزمة طاقة معقدة، انعكست على الوضع الاقتصادي والاجتماعي لدوله.

ورغم أن نسبة التخزين بلغت 95% حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2022، كلف ارتفاع الأسعار ميزانيات الحكومات الأوروبية نحو 70 مليار دولار، مقارنة مع 12 مليارا عام 2021، وارتفاعا في معدل التضخم إلى 9% مقابل 2% في الفترة نفسها من عام 2021. كما أن هذه المخزونات قد لا تكفي فصل الشتاء القارس.

وينتظر أن تتفاقم الأزمة مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتراجع واردات الغاز الروسي أو انقطاعها تماما، وعدم وجود بدائل مناسبة ومجدية على المدى القصير والمتوسط (غاز شمال أفريقيا، غاز بحر الشمال والنرويج، أنابيب آسيا الوسطى عبر تركيا، الغاز المسال..) وهو ما جعل البلدان الأوروبية تعيد تشغيل مناجم الفحم ومحطات الطاقة النووية، واللجوء إلى تقشف غير مسبوق في استهلاك الطاقة.

طوال العقدين الماضيين، وعبر النفط، وخصوصا الغاز، عملت روسيا على رسم الفضاء السياسي الخارجي حولها واكتساب ورقة ضغط قوية. وفي المقابل استفادت أوروبا من سهولة وصول الغاز الروسي إلى أسواقها وأسعاره المنخفضة، متغاضية عن التحذيرات الأميركية، منذ ثمانينيات القرن الماضي، بضرورة تقليص تبعيتها للغاز الروسي درءا لأي ضغوط سياسية، كما حدث خلال الأزمة الأوكرانية.

عمليا، لم تتضرر الولايات المتحدة من أزمة الغاز العالمية، فهي أكبر منتج للغاز الطبيعي والصخري في العالم، وتمتلك احتياطات ضخمة ومخزونات كبيرة -رغم أنها أكبر مستهلك للغاز عالميا- كما تستورد معظم حاجياتها من الجارة المستقرة كندا عبر الأنابيب. وهي مستفيدة من إضعاف روسيا اقتصاديا بتقليص مداخيلها من موارد الطاقة وفصلها عن السوق الأوروبية، وبشكل ما إضعاف أوروبا أيضا وجعلها تعتمد أكثر على الغاز الأميركي والحماية الأميركية.

ورغم تضرر روسيا بدورها من العقوبات الغربية، إذ يعتمد اقتصادها بنسبة 40% على صادرات الطاقة، إلا أنها قادرة على إيجاد أسواق بديلة في آسيا المتعطشة للطاقة وخصوصا الصين، وهي تدرك أيضا أن أوروبا نفسها غير قادرة على الفكاك تماما من سطوة غازها على المدى القريب بحكم الوفرة والقرب الجغرافي والأسعار غير القابلة للمنافسة، ووجود البنية التحتية اللازمة، وغياب البدائل المجدية.

وتعد آسيا من أكثر القارات افتقارا لموارد النفط والغاز، وتواجه الكثير من دولها ضغوطا متزايدة بشأن أمن الطاقة. وإذا كانت الصين قد تمكنت من تأمين إمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب القادمة من روسيا وكازاخستان وتركمنستان، لا يعد ذلك متاحا لقوى اقتصادية أخرى كبرى في آسيا مثل اليابان والهند وكوريا الجنوبية، التي لا تشترك في الحدود مع دول آسيا الوسطى المنتجة للغاز أو إيران، أو روسيا.

وتعتمد هذه الدول بشكل أساسي على واردات النفط والغاز المسال من الشرق الأوسط وبقية الأسواق العالمية، وهي بالتالي عرضة لأي تقلبات في الأسعار أو الأزمات الدولية أو النزاعات، بينما يكون تأثر الولايات المتحدة جزئيا وظرفيا.

الغاز العربي.. بديل متاح
على خلفية أزمة الغاز في أوروبا تطمح دول عربية -خصوصا الجزائر وقطر وبدرجة أقل مصر- لتأكيد دورها في سوق الغاز العالمي، مستفيدة من تراجع إمدادات الغاز الروسي إلى القارة العجوز.

وتستفيد الجزائر -التي تمتلك احتياطيا يقدر بـ4.5 تريليونات متر مكعب- من قربها من أوروبا وامتلاك بنية تحتية قوية وخطوط أنابيب جاهزة “ترانسميد” و”ميدغاز” وكونها مزودا تقليديا للأسواق الأوروبية بالغاز عبر إسبانيا وإيطاليا.

ووقعت الجزائر عقودا مع إيطاليا لزيادة صادراتها من 21 مليار متر مكعب عام 2021 إلى 25 مليارا في 2022، لتصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويا في عامي 2023 و2024، وتطمح إلى زيادة صادراتها لتبلغ 100 مليار متر مكعب سنويا.

وأعاد اشتداد الطلب الأوروبي على الغاز طرح مشروع “غالسي” (Gasdotto Algeria Sardegna Italia) لنقل الغاز الطبيعي بين حقل حاسي الرمل (أكبر حقل في الجزائر) وجزيرة سردينيا شمال إيطاليا التي ستعمل على أن تكون مركزا لتوزيع الغاز الجزائري بالقارة الأوروبية.

وبرزت حاجة دول الاتحاد الأوروبي إلى الغاز الجزائري خلال أزمتها مع إسبانيا حين ألغت الجزائر اتفاقية الصداقة مع مدريد على خلفية الأزمة مع المغرب وأوقفت ضخ الغاز، ولم يقف الاتحاد مع إسبانيا التي طالبت بممارسة ضغوط على الجزائر وفضّل الحياد حرصا على إمدادات الغاز الحيوية.

كما تحتل قطر المرتبة الأولى عربيا من حيث احتياطي وإنتاج الغاز الطبيعي، والثالثة عالميا في الاحتياطي ( 24.7 تريليون متر مكعب)، والخامسة من حيث الإنتاج، وتتجه معظم صادراتها إلى السوق الآسيوية -خصوصا الصين واليابان وكوريا الجنوبية- بعقود طويلة الأجل، لكنها رفعت أيضا صادراتها من الغاز المسال إلى القارة الأوروبية بنسبة 16% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2022، وتسعى أوروبا إلى تعويض بعض الغاز الروسي بالاعتماد على الواردات القطرية.

وضاعفت مصر مداخيلها من صادرات الغاز بنسبة 171% في 2022 مقارنة بعام 2021 بنحو 8.4 مليارات دولار مقارنة بنحو 3.5 مليارات دولار خلال 2021، وتسعى القاهرة إلى استغلال احتياطاتها (نحو تريليوني متر مكعب) واكتشافاتها الواعدة من الغاز، لتضع نفسها ضمن قائمة الدول الممولة لأوروبا، خاصة ضمن تحالف شرق المتوسط للغاز.

ورغم احتياطياتها الضخمة من النفط (50 مليار برميل) والغاز (1.5 تريليون متر مكعب) أثرت الأزمة السياسية والانقسام في ليبيا على استغلال ثروة الغاز واستثمار حقول جديدة وزيادة الإنتاج، لكن البلد الغني بثرواته من الهيدروكربون يمكن أن يمثل حلا مستقبليا للدول الأوروبية إذا ما توفر عامل الاستقرار السياسي والأمني، وهو ما ينسحب على موريتانيا بعد الاكتشافات الواعدة من الغاز الطبيعي.

وتركّز المملكة العربية السعودية على تصدير النفط، لكنها تمتلك ثاني احتياطي من الغاز عربيا (8.9 تريليونات متر مكعب)، وقد أعلنت في فبراير/شباط 2022 عزمها دخول حقل التصدير قريبا.

كما تمتلك الإمارات العربية المتحدة احتياطيا يقدر بحوالي 6 تريليونات متر مكعب، وكذلك العراق 3.7 تريليونات متر مكعب، والكويت 1.7 تريليون متر مكعب، وكل ذلك يجعل الغاز العربي بحكم الوفرة والقرب الجغرافي والبنية التحتية ثروة إستراتيجية وبديلا محتملا وممكنا للغاز الروسي.

تركيا مركز لتجارة الطاقة بينما تتزود تركيا بالغاز الطبيعي من روسيا وأذربيجان وإيران عبر مشاريع خطوط أنابيب الغاز الطبيعي الدولية، فإنها تساهم أيضا في أمن الطاقة بالقارة الأوروبية

تركيا.. الممر والعقدة
في ارتباطها بمراكز الإنتاج الرئيسية، يمكن تلخيص السيطرة على خريطة الغاز العالمية في 10 أنابيب أساسية، دون اعتبار تلك الموجودة داخل الولايات المتحدة أو التي تربطها بكندا أو داخل الحدود الإقليمية لكل دولة. فمن أفريقيا يربط خط “ميد غاز” بين الجزائر وإسبانيا عبر المغرب، بطول 547 كيلومترا ويضخ نحو 10.5 مليارات متر مكعب سنويا.

كما توفر الجزائر الغاز لإيطاليا عبر أنبوب “ترانسميد” الذي يمر عبر تونس ويبلغ طوله 775 كيلومترا بين حقل حاسي الرمل وجزيرة صقلية، وتبلغ طاقته القصوى نحو 32 مليار متر مكعب سنويا. وتصدر ليبيا أيضا نحو 300 مليون متر مكعب من الغاز نحو إيطاليا عبر خط “غرين ستريم” بطول 520 كيلومترا، ويربط بين مدينة مليتة غربي البلاد وجزيرة صقلية.

وفي آسيا، يعد أنبوب “قوة سيبيريا” الروسي باتجاه الصين -والذي ينطلق من مقاطعة إركوتسك شرق سيبيريا بطول 3 آلاف كيلومتر- من أهم خطوط الغاز في آسيا، وهو ينقل نحو 38 مليار متر مكعب سنويا. ومن المنتظر أن يتم بناء خط “قوة سيبيريا-2” عبر منغوليا لنقل 50 مليار متر مكعب إضافية.

ورغم العلاقات الجيدة بين موسكو والصين، لا تضع الأخيرة نفسها رهينة للغاز الروسي، وهي تستورد حاجياتها أيضا من تركمستان عبر خط أنابيب “الصين-آسيا الوسطى” وقد ساهمت في إنشائه انطلاقا من شرق تركمنستان ليمر عبر أوزبكستان وكازاخستان، ونقل عام 2021 حوالي 34 مليار متر مكعب من الغاز، وقد ساهمت الصين أيضا في تطوير “مشروع غالكينيش” في تركمنستان، وهو ثاني أكبر مشاريع الغاز المسال في العالم بعد “حقل الشمال” في قطر.

وتستورد الصين الغاز أيضا من كازاخستان، وتستثمر شركاتها في العديد من الحقول ومجالات الطاقة هناك، وتتزود كذلك بالغاز المسال من أستراليا والولايات المتحدة وقطر وماليزيا.

وفي أوروبا الأشد حاجة إلى الطاقة، تعد تركيا عقدة المواصلات الأساسية في خطوط الغاز نحو القارة العجوز. وتعاظم الدور التركي أيضا بفعل الأزمة الأوكرانية والاتفاق الذي حدث مع روسيا بجعلها مركزا عالميا للغاز. وتمر عبر تركيا خطوط الأنابيب الرئيسية نحو أوروبا (انظر الإنفوغراف) لكنها جميعها غير قادرة على تعويض خط “نورد ستريم-1” الرئيسي بين روسيا وأوروبا. ومن المنتظر أن يتزايد عدد الأنابيب المارة عبر تركيا نحو أوروبا بحكم موقعها وقربها نسبيا من العديد من الدول المنتجة للغاز في آسيا الوسطى والشرق الأوسط (روسيا، كازاخستان، تركمنستان، إيران، قطر..) ونظام علاقاتها المرن مع مختلف هذه الدول بما في ذلك روسيا.

وتتحكم تركيا أيضا في ممرات تجارة رئيسية إستراتيجية (البوسفور والدردنيل)، وتعد لاعبا رئيسيا في منطقة شرق المتوسط، والتي تضم احتياطيات ضخمة من الغاز قدرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية عام 2010 بنحو 122 تريليون متر مكعب (خصوصا قبالة سواحل سوريا ولبنان وإسرائيل وغزة وقبرص)، إضافة إلى107 مليارات برميل من النفط. ورغم أن مكامن معظم هذه الاحتياطات محل تداخل وخلافات، إلا أنها قد تمثل بديلا محتملا لأوروبا عن الغاز الروسي، إضافة إلى غاز بحر الشمال والنرويج وبلدان شمال أفريقيا، بالإضافة إلى مخططات لنقل الغاز من نيجيريا.

وينظر الاتحاد الأوروبي وكذلك الولايات المتحدة بتوجس إلى دور أنقرة المحوري في مسألة إمدادات الغاز الحالية والمستقبلية نحو أوروبا، لكن الحاجة وصعوبة البدائل والبنية التحتية الجاهزة لدى تركيا تذلل كل المخاوف. كما أن الحاجة إلى الطاقة تغير أحيانا الأجندات السياسية، فرغم العقوبات سمحت الولايات المتحدة مثلا لفنزويلا بتصدير نفطها إلى أوروبا على خلفية الأزمة الأوكرانية، كما سمحت لشركة “شيفرون” العملاقة بتطوير مشاريعها في فنزويلا وتصدير نفطها حصرا إلى الولايات المتحدة.

وتخضع خارطة الطاقة العالمية، وأهمها الغاز، لقواعد اقتصادية وتجارية، لكنها في صلب التوازنات السياسية العالمية وسباق النفوذ، فالدول الكبرى لا تسمح في النهاية بتهديد أمنها الطاقي والاقتصادي. وتشي معظم النزاعات الدائرة في العالم، سواء كانت باردة أو ساخنة -أوكرانيا نموذجا- أن جوهرها هو صراع على موارد الطاقة ومكامنها وشرايينها الأساسية المتمثلة في خطوط الأنابيب والممرات. وكما يشكل الغاز وقود حياة للعالم حاضرا ومستقبلا، تنطلق منه أيضا شرارة النزاعات والأزمات والحروب.

المصدر : الجزيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى