تاريختقارير و دراسات

رمز النجمة الثمانية بين العصور القديمة والحضارة العربية الإسلامية

النجم الثماني المدبب هو رمز موجودة في العديد من الثقافات المختلفة. وقد استخدم من قبل السوماريين و الكنعانيين والمسيحيين و الحضارة العربية الاسلامية، والأدب،. ويمكن أن ينظر إليه على الأعلام الوطنية وفي الأيقونية الدينية والمعمار .

• النجمة الثمانية خلال العصر السوماري

تعود للعصر السومري حيث كان أول ظهور لها هناك. كان لدى السومريون إله اسمه “آنو”، هو إله السماء، ويقع ترتيبه من حيث الأهمية في قمة الالهة السومرية الرئيسية وكذلك البابلية وقد نعت بأبي الآلهة وملك الآلهة. وتمثل السماء هذا الإله كما يدل على ذلك اسمه بالسومرية ” آن “. حيث تمت الإشارة إلي النجمة في كتاب الشرق الأدنى القديم: ” و من بين المآثر الهامة لهذا الملك “اورنمو “تشييد زاقورة للإله القمر “نانا” في عاصمته أور، و سجل هذا البناء على إحدى لوحاته التي عثر عليها و قد نقش المناظر في مجموعة أفقية ، وقد مثل الملك في أعلاه واقفا أسفل رمز إله القمر “نانا” الذي كان يمثل بهلال يتوسطه “نجمة”

واعتقد السومريون أن مقره في السماء في أعلى نقطة فيها. ولقد كتب اسمه بالعلامة المسمارية التي كانت في الأصل صورة تشبه صورة النجمة ذات الثمانية رؤوس وبواسطة هذه العلامة نفسها كتبت كلمة سماء وكلة إله أيضا (كانت اللغة المسمارية تكتب على شكل صور ورموز وتسمى بالمسمارية) ولذلك استخدمه علامة النجمة ذات الثمانية رؤوس كعلامة دالة تسبق اسماء جميع الآلهة العراقية القديمة. ويرى بعض الباحثين أن سبب كتابة اسم الإله آنو وكلمة إله المطلقة بنجمة ذات ثمانية رؤوس، بأن هذه الرؤوس الثمانية ماهي في حقيقتها إلا مؤشرات إلى جميع جهات الكون الجغرافية وهذا يعني أن هذه الرؤوس كانت تعبر عن الشمول وتهدف أيضا إلى التأكيد على أن الاله موجود في كل مكان من الكون. ومما يؤكد أن هذه الرؤوس الثمانية لا علاقة لها بالنجمة، بل أنها تشير إلى جميع جهات الكون هو أن العلامة لم تستخدم اطلاقا للدلالة على النجمة، ولكن شبهها للنجمة هو الذي دفع العراقيين القدامى الى أن يكتبوا كلمة نجمة بتكرار.

• النجمة الثمانية خلال العصر الكنعاني

قامت خلال هدا العصر عدة حضارات هامة متصل بعضها ببعض أهمها:

اريحا-ووادي-غزة-والغسولية-وبئر السبع-ومجدو-وبيت شان…. حيت تطورت الحياة في جميع مظاهرها، واكتشف المعدن النحاس وظهرت زراعة المتعمدة على الري، وقد شملت عدة أنواع من الخضروات وهي الخص والبصل والفول والتوابل.

كما عرفوا التصوير الجداري: حيت رسموا على جدران مدينة الغسولية لوحات تصويرية متعددة الألوان، وتعتبر أقدم فريسكو في العالم القديم. واسلوب هده اللوحات يتميز بالطابع الزخرفي الهندسي، واهم هده اللوحات لوحة النجمة الثمانية.

كانو يرمزون بهده النجمة الى كوكب الزهرة، وكانت هده معبودة لديهم كما كانت إله الخصب. وقد قلدها اليهود فرسموا سداسية. نقلا عن النجمة الثمانية الكنعانية التي يعود تاريخها الى 3500 سنة ق.م.

• التقليد اليهودي المسيحي

وغالبا ما يرتبط عدد ثمانية مع اليهود مع الشروع، القيامة، الخلاص والوفرة. ويرجع ذلك إلى حقيقة أن السبعة يرمز إلى الانتهاء. على سبيل المثال، اليوم الثامن هو بداية أسبوع جديد. ومراعاة لعهد الله، يمر الطفل اليهودي بالختان في اليوم الثامن.

ويرجع بعض المسيحيين النجمة الثمانية إلى التعميد، باعتبار السيد المسيح قد عُمّد حين كان عمره ثمانية أيام

• النجمة الثمانية خلال العصر العربي الإسلامي

كما استعملت النجمة الثمانية بوصفها تكويناً هندسياً متميزاً من حيث التقارب والتناظر والتوازن في تكوين النوافذ والشبابيك و لاسيما في العصور الإسلامية منذ العصر الأموي، والغاية من استعمالها هي تقليل الإبهار الضوئي للشمس داخل الفناء أو الغرفة كما تتعدى ذلك إلى الناحية الاجتماعية إذ أنها تحجب النساء وما يدور داخل فناء البيت أو الغرفة عن أعين المارة عند تثبيتها في ٤٢ الأماكن المطلة على الطرق ولاسيما الطوابق الأرضية.

ظهرت هده النجمة الثمانية في الزخرفة الإسلامية على ايدي فناني فلسطين وسوريا الدين قاموا بتشييد قبة الصخرة وزخرفته. وهده النجمة مازالت تظهر حتى أيامنا هده على الأزياء الفلسطينية المطرزة .

ولكل فن أو علم قواعد يقوم عليها ، و فن الزخرفة يشمل مجموعة من القواعد المستمدة أساسا من عناصر الطبيعة ، و تكمن غايتها في منح المعمار جمالية و دلالة إبداعية تبهر الناظر إليها ،و تحدث جذبا بصريا و محاكاة للناحية الفسيولوجية و السيكولوجية لفئة المتذوقين لجمال الفن المعماري الإسلامي .فقد استخدم هذا الفن في العمارة الإسلامية ،و قد أبدع المسلمون فيه لدرجة قيل أن الفن الإسلامي فن زخرفي ، فالناظر للعمارة الإسلامية يلاحظ أنها لا تخلو من الزخرفة و النقش ، و لقد كان “هنري فوسيون “دقيق التعبير حينما قال : ” ما أخال شيئا يمكنه أن يجرد الحياة من ثوبها الظاهر و ينقلنا إلى مضمونها الدفين مثل التشكيلات الهندسية للزخارف الإسلامية ،فليست هذه التشكيلات سوى ثمرة لتفكير قائم على الحساب الدقيق قد يتحول إلى نوع من الرسوم البيانية لأفكار فلسفية و معان روحية “[1] ، و قد استطاع المسلمون استخراج أشكال هندسية و أبدعوا في ذلك و نجد من بين هذه الفنون التي أثارت اهتمامي ألا و هي النجمة الثمانية التي استطاعت هندستها المتفردة أن تفرض سيادتها في العمارة العربية الإسلامية ، و لقد استطاع المسلمون أن يبدعوا في هذا الفن و يعبروا عن مهارة إبداعهم و اتخذوا من الطبيعة محاكاة لهويتهم و مصدر إلهامهم ،” فلو تطلعنا إلى السماء في ليلة صافية فإننا نرى فضاء شاسعا حالك اللون ، قد تناثرت فيه الآلاف المؤلفة من النجوم الساطعة [……] ، و كذلك النجوم لها شكلها الهندسي ” [2] والجمالي في العمارة العربية الإسلامية.

كما استعملت بوصفها تكوينا هندسيا متميزا من حيث التقارب و التناظر و التوازن في تكوين النوافذ و الشبابيك ، و لاسيما في العصور الإسلامية و لاسيما في العصر الأموي ، و الغاية من استعمالها هي تقليل الإبهار الضوئي للشمس داخل الفناء أو الغرفة كما أنها تتعدى ذلك إلى الناحية الاجتماعية إذ أنها تحجب النساء و ما يدور داخل فناء البيت أو الغرفة عن أعين المارة عند تثبيتها في الأماكن المطلة على الطرق و لاسيما الطوابق الأرضية .

• النجمة الثمانية الرمز الشائع لربع حزب للقران

تم الاعتماد على الرمز الشائع لربع الحزب مربعان مشتركان في المركز أحدهما مائل عن الاخرب قدر45 درجة ربع الحزب في القران الكريم هو من التقسيمات التي تم الاصطلاح عليها. حيث أن القران الكريم يتم تقسيمه إلى ثلاثين جزءاً، وكل جزء يتم تقسيمه إلى حزبين وكل حزب ينقسم إلى اربعة أجزاء يسمى الواحد منها ربع حزب وتتم الإشارة إلى ربع الحزب في القرآن بالعلامة. تقسيم المصاحف إلى أجزاء وأحزاب وأرباع تقسيم اصطلاحي اجتهادي ولذلك يختلف الناس في تقسيماتهم بحسب ما يروه الأنفع والأقرب.

• وصول النجمة الثمانية للأندلس بسبب المؤثرات الحضارية الشامية والعراقية

في خلافة الوليد بن عبد الملك تمّت السيطرة على بلاد الأندلس، وبقيت ولاية تابعة لدمشق إلى أن استقلّ بها الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك (صقر قريش) مؤسس الدولة الأموية في الأندلس.

وفي أثناء حكمه وضع جذور الحضارة الإسلامية الشامية في الأندلس، وقد حرص على تجديد ما زال من حضارة بني أمية في المشرق، وعلى نقل النظم الإدارية المعروفة في المشرق العربي طيلة العهد الأموي.

ويذكر «ابن القوطية» في كتابه «تاريخ افتتاح الأندلس» أنّه منذ عهد هشام بن عبدالملك نزل الشاميون في كور الأندلس وتفريقهم على قرطبة، إذا كانت لا تحملهم، فأنزل أهل دمشق بالبيرة، وأهل الأردن برية وأهل مصر بباجة، وقطيعاً منهم بتدمر». لذلك كان من الطبيعي أن تقتبس الدولة الناشئة المعالم الحضارية الشامية، ومنها التقاليد والأنظمة الشامية ومظاهر العمران.

حاول عبدالرحمن الداخل أن يجعل من عاصمته قرطبة صورة من دمشق من حيث منازلها البيضاء ذات الأحواش الداخلية وفي أشجارها وحدائقها (راجع وصف المقدسي لقرطبة «أحسن التقاسيم لمعرفة الأقاليم») كما عمل على نقل الأشجار التي كانت موجودة في بلاد الشام ومنها أشجار النخيل والأشجار المثمرة كالتين والرمان والعنب، وبالقرب من قرطبة زرع الأمير عبدالرحمن أول شجرة نخيل في الأندلس في حديقة قصره. كما بنى قصوره خارج قرطبة على غرار القصور الأموية التي أنشأها هشام خارج دمشق. ومن قصور عبدالرحمن قصر الرصافة (راجع أحمد مختار العبادي «العلاقات بين الشرق والغرب») وهو قصر صيفي شمال غربي قرطبة.

أما بناء المسجد الجامع في قرطبة الذي أقامه عبدالرحمن الداخل عام 169 هـ فقد تميّز بتأثير المؤثرات الشامية الإسلامية في زخارفه المعمارية ونظام سقفه وعقوده، كما أنّ مئذنة مسجد قرطبة تماثل مآذن مساجد الشام لا سيما مساجد دمشق والقدس.

وكان الأمير عبدالرحمن قد استعان بالبنائين والمهندسين الشاميين في بناء قصوره ومساجده ومقصوراته. وهذا التشابه في البناء المعماري بين بلاد الشام والأندلس كان بتأثير الحضور الشامي في الأندلس. وهكذا لقّح عبدالرحمن حضارة الأندلس بالطابع الشامي، وإليه يرجع الفضل في غرس بذور نهضة علمية زاهرة بقرطبة (راجع السيد عبدالعزيز سالم) «تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس».

وفي الحديث عن المؤثرات الشامية في الأندلس، نرى أنّ موقع مدينتي غرناطة وقرطبة يشبه إلى حدّ كبير موقع دمشق وبغداد، كما يذكر السيد عبدالعزيز سالم فدمشق تقع على الضفة اليسرى لنهر بردى، وقرطبة تقع على الضفة اليسرى لنهر الوادي الكبير، ويطل على دمشق جبل قاسيون، بينما يطل على قرطبة جبل الشارات، هذا إضافة إلى التشابه بين البلدين في بيوتهما وأسلوب الحياة فيهما. من هنا جاء قول الجغرافيين العرب إنّ الأندلس «شامية في هوائها وشامية في حياتها» (راجع أحمد مختار العبادي).

أما الأمير شكيب أرسلان فيشير في كتابه «الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية» الجزء الأول، نقلاً عن النقشبندي «غرناطة دمشق بلاد الأندلس ومسرح الأبصار ومطمح الأنفس. وغرناطة من أحسن بلاد الأندلس وتسمى بدمشق الأندلس لأنها أشبه شيء بها.

• النجمة الثمانية المغرب خلال حكم الدولة المرينية

لقد اختار بنو مرين علما لهم من حقل باللون الأحمر ويتوسطه نجمة رمز ربع حزب القران الكريم وكدلك اعتمدت الدولة السعدية هدا العلم.

وبسبب التأثير العربي الإسلامي الاندلسي على المعمار المغربي وقد استقينا نموذجا لمدرسة الصفارين بفاس باعتبارها تؤكد روائع العمارة الإسلامية المتمثلة في فسيفسائها المشكلة بالنجمة الثمانية. وتعتبر مدرسة الصفارين أول مدرسة بنتها الدولة المرينية على يد السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق، و تعتبر من أقدم المدارس بفاس . و يكفي هذه المدرسة فخرا أن كان بها يطلب العلم الشيخ محمد بن سلمان الجزولي، مؤلف دلائل الخيرات ، و في وقت سكناه بها ألف كتابه المذكور الذي لا يوازيه في الشهرة أي كتاب من كتب الإسلام بعد المصحف الكريم ، و لا يزال بيته في هذه المدرسة مشهورا معروفا لهذا العهد يزوره الناس. [6] . ومدرسة الصفارين تعتبر نموذج المدارس المرينية بفاس بيد أنها تمتاز بالبساطة في مكوناتها المعمارية، و ميزتها الزخرفة الهندسية و النباتية و الزليج الذي يكسو أعمدتها و أفارزها المزينة بزخرفة النجمة الثمانية (الموضح في الشكل أعلاه). من هنا يعتبر الرمز دلالة لأنواع الفنون، والفن الإسلامي اتسم عبر التاريخ بالإبداع و البحث في أغوار الجمال، وهذا ما ميزه عن باقي الفنون الأخرى فهو غني بسمات رمزية تؤكد الهوية و الخصوصية العربية الإسلامية بتوازن زخرفتها و تناظرها، و لعل هذا الفن بروعة أشكاله و صوره و تقنياته له أثر على العمارة الإسلامية، و هذا ما يبدو جليا انطلاقا من نموذج النجمة الثمانية.

المصادر

فلسطين عبر التاريخ عبد الرحمن المزين ص 28

هنري فوسيون ,”عطاءات الفن الاسلامي : القيم الجمالية في العمارة الاسلامية “,تروث عكاشة ,دار المعارف ، مصر ، ص. 39 .

-حسين محمد يوسف ،حسن حمودة القاضي ،”فن ابتكار الأشكال الزخرفية و تطبيقاتها العملية “،دار النشر ابن سينا ، القاهرة ، ص.27 .

أحمد أمين سليم ،”تاريخ الشرق الادنى القديم ” ،دار النهضة العربية ، بيروت ،1989 ،ص.290 .

– معتز عناد غزوان ،”الدلالات الفكرية و الرمزية للفن الاسلامي في التصميم المعاصر “، مجلة كلية الآداب جامعة بغداد ، العدد 101 ، ص.521 .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى