اسلاميات

جريمة -ادعاء علم الغيب وأخذه من عند غير الله، وتغييب علم الآخرة

مقاصد السير في القرآن

الحلقة العاشرة

قد يظهر بأنه من المبالغة أن نعتبر هذا الفعل جريمة!!

لنتبدر هذه الآيات لندرك خطورة هذا الجرم..

⭐{قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله}

هنا نقف عند إحدى أخطر الجرائم التي اقترفها الإنسان، وأمرنا أن نسير في الأرض لننظر ونتفكر ونبحث عن كيفية وعاقبة من وقعوا في هذه الجريمة النكراء، وهي زعم علم الغيب، وإنكار معلومات الله عن الغيب..

فما حقيقة هذه الجريمة وما خطورتها؟

بدأ القرآن الحديث عن هذه الجريمة بتأصيل حصري عجيب، مبتدئ ب(قل) الدالة كما قلنا غيرما مرة على الاهتمام والإلزام، بصيغة تجردت فيها وظيفة التبليغية للنبي صلى الله عليه وسلم، فالآمر فيها هو الله عزوجل، والمخبر فيها هو الله جل وعلا..

ومفاد القول نفي علم الغيب السابق والحاضر واللاحق، وهذا مفهوم من فعل المضارع (يعلم) فهو علم دائم مستمر متجدد عند متعلمه، لا ينقطع حبله، ولا يتسرب إليه شك أو خطأ، فما كان للإنسان أن يعلم، ولا يمكنه أن يعلم، وبالتالي فالمصدر الوحيد لعلم الغيب، هو الله عزوجل، والمقصود بنفي العلم هنا، هو نفي مصدرية علم الغيب وتعليمه، فإذا أدركت أن جهة هي الوحيدة والحصرية في تعليم علم ما، والإحاطة به، فإنك لن تبرح بابها ومجلسها، في تعلم ذلك العلم، فكذلك الأمر هنا، فالله عزوجل نفى علم الغيب عمن في السماوات والأرض، وأثبته له سبحانه، ليبين لنا الطريق الصحيح والموثوق لتعلم علم الغيب، فالنفي ليس نفيا للعلم، وإنما هو نفي لتعلمه من غير أهله..

وهذه قاعدة مهمة في باب التعلم والتعليم..فليس في الآية تحدِ أو مقارنة بين علم الله وعلم المخلوق، وإنما فيها توجيه للمخلوق إلى اختيار المصدر الصحيح والموثوق والقطعي لعلم الغيب..لأن الهداية والتعليم هي القضية الأولى للقرآن وليس التحدي والتفنيد..

والمقصود بالغيب هنا، كل ما غاب عن الإنسان من مصالحه، غيابا مطلقا، أو غيابا نسبيا، فمن المصالح ما لا يدركه الإنسان إلا من طريق الله عزوجل، ومن المصالح ما يتوهم بأنها مصالح فيأتي البيان من الله عزوجل، وكذلك الأمر في المفاسد..

وفصل ذلك النفي على أفراد المستثنى منه، فقال (من في السماوات والأرض) وهو تفصيل مقصود دقيق فيه نفي مطلق، بعدد من في السماوات والأرض من مخلوقات، واستعمل (من) التي تطلق على العاقل، لمناسبتها للعلم، وللأحروية فإن نفي علم الغيب عن العاقل من المخلوقات، فمن باب أولى أن ينفى عن غيره، وللإمعان في النفي، فكل من كان ذا عقل فطري أو مصنوع فعلم الغيب منفي عنه، سواء من سكان الأرض أو من سكان السماوات، وقدم من في السماوات، لتوهم علمهم بالغيب لقربهم من السماء، أو لسعة قوتهم أو خارقة إمكاناتهم، فاستحقوا أن يبدأ النفي بهم، وثنى بسكان الأرض، ولم يقل (ومن في الأرض) لأن أهل الأرض في الغالب يتطلعون إلى السماء بمعرفة ما خفي عنهم وما غيب عنهم، لذلك فهم تبع لمن في السماوات، فعطف الأرض على السماوات، وأشركها معها في (من) الأولى، وهذا إمعان في النفي، وتنبيه وإشارة إلى أنه: مهما اتجهتم أفقيا في الأرض أو عموديا إلى السماء، فستجدون الباب موصدا، والنفي جوابا، (لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب)
وقد اختلف في نوع هذا الاستثناء، هل هو متصل أم منقطع، وعلى القول بالاتصال، فتقدير الكلام (لا يعلم أحد الغيب إلا الله) وفيه من القصر والحصر واختصاص علم الغيب بالله ما فيه..

وعلى القول بالانقطاع، ففيه معنى المغايرة، فما كان لمن في السماوات والأرض أن يعلموا الغيب، لأنهم معدموا وسائله وأدواته وقوته وإحاطته وقيوميته، لطفه وخبرته فأنى لهم هذا حتى يعلموا الغيب، لذلك جاء الاستدراك بلفظ الجلالة والألوهية (إلا الله) أي ولكن الله يعلم الغيب، فهل منهم من يمكن أن يوصف بالألوهية حتى يعلم الغيب، وفيه معنى التطابق بين علم الغيب وصفة الألوهية، فمصدر علم الغيب هو الله، والله هو مصدر علم الغيب، وفيه إرشاد وتوجيه لمريد تعلم علم الغيب، أن يقصد من اتصف بالألوهية، وإلا فسيبوء قصده بالفشل والجهل والضلال..

جاء هذا التأصيل الحصري القطعي، ختاما لما سبق وتمهيدا لما سيلحق، فهو ختام لما سبق من خلق السماوات والأرض، وإنزال المطر، وإجابة المضطر، والهداية وبدا الخلق، فإن أردتم أن تكونوا على هدى في كل هذه المهمات والضرورات والمتطلبات، فعليكم التحلي والاعتراف بعلم الله عزوجل، والانطلاق منه، والاحتماء به، والدراسة في ضوئه، والبحث وفق منهجه، والتعلم من قواعده وتصويراته، عندها ستصلون إلى بر الأمان في كل تلك المجالات، دون ضلال ولا انحراف، وتيه ولا ضياع ولا فساد وإفساد..

ومن مصالح تعلم الغيب عن الله عزوجل، أنه يعطيك العلم الصحيح بالقدر المناسب النافع، فلا يغلطك ويتوهك، ولا يغرقك في متاهات الغيب..لذلك كان المصدر الحصري الوحيد النافع..

وهو في نفس الوقت تمهيد لما سيلحق، من ذكر هذه الجريمة الكبرى الخاتمة لتلكم الجرائم، وهي جريمة زعم علم الغيب وإنكار مصدره الصحيح..

فقبل الخوض في تفاصيل هذه الجريمة وإنكارها، لابد من هذا التأصيل المفيد السديد..

⭐(وما يشعرون أيان يبعثون)

فالشعور يأتي بعد علم، وبعد إعمال صحيح للحواس من نظر ولمس وذوق وشم وسمع، فالذي لا يشعر هو معطل الحواس إما عن موت أو عن غفلة وجهل، وشغل الإنسان الشاغل هو معرفته لحقيقة هذه الحياة، ابتداء وانتهاء، ولأجل هذه المعرفة خاض صولات وجولات علمية وفلسفية يرى مولودا من هنا، ويرى متوفى من هناك فيحاول من خلال تلك الفلسفة الوصول إلى حقيقة هذه الحياة وحدودها، ومما فطر الله عليه الإنسان هو التطلع والبحث والاستفهام ومحاولة المعرفة، لذلك جاء القرآن هنا يعلمه حقيقة الشعور بالبعث، والطريق إلى الشعور الصحيح، فحقيقة ذلك الشعور والمقصود بها اليقظة وعدم الغفلة، حتى يعمل ذلك الشعور، ولا يكون ذلك إلا معرفته عن طريق خالقه، ذلك الشعور الحقيقي المنجي، ويريه مسلك ذلك الشعور، وهذا لا يمكن إدراكه ولا تعلمه إلا من الله عزوجل، وهذا لا يتأتى إلا بتفعيل تلك القاعدة السابقة (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله)

والتقدير إن أخذتم بهذه القاعدة فستعرفون حقيقة حقيقة هذه الحياة، ابتداء ونهاية، وسيتحسن شعوركم بنهايتها، وببعثكم بعدها..فالمقصود بالشعور هنا، ذلك الشعور النافع المنجي..

⭐(بل ادارك علمهم في الآخرة)

عدم شعورهم بالبعث أو شعورهم به ذلك الشعور غير الصحيح والنافع المبني على الجهل والوهم والخرافة، أوصلهم إلى ما هو أخطر من عدم الشعور وهو إدراك علمهم بالآخرة، لذلك جاء الإضراب ب(بل) وقد يكون هذا الإدراك هو سبب عدم شعورهم، وهو من باب التشخيص والنظر في أسباب الحالة..

وقرئ (إدارك) و(أدرك) وفيهما معنى الدنو والانحطاط، ومعنى التراكم والاختلاط، فقد وصلوا إلى مستوى من الانحطاط فيما يتعلق بعلم الآخرة، مع تراكم تصورات ومصاديق خاطئة محرفة مع اختلاط في المفاهيم والمدركات كل ذلك لأنهم زعموا علم الغيب، وأخذوه من غير طريق الله عزوجل، بل انكروا تلك الطريق.. وهذا يفهم من لفظ(إدارك)
وتفيدنا قراءة (أدرك) معنى الوصول والبلوغ، فالدلائل واضحة على تلك الآخرة، والبراهين والحجج البالغة، إلا أنهم عطلوا شعورهم وعقولهم فكأن ذلك العلم يقول لهم هاأنا ذا وهم يتجاهلونه وينكرونه ويجحدونه..

لذلك عطل شعورهم وشوه تشويها ذريعا..

⭐ثم جاء إضراب آخر يبين حقيقة ذلك الادراك، وعدم إدراك المدرك (بل هم في شك منها)

هم غارقون في الشك والتيه في أحوالهم وشؤونهم وأمورهم، وإن ظرهت منضبطة ظاهرا، فهي مضطربة باطنا ومآلا، وهذا الشك لاحق بكل تفاصيل حياتهم، وسبب ذلك هو عدم انطلاق علمهم من علم الآخرة، وعدم اعتبار تصوراتهم للآخرة، فعلم الآخرة أمان وضمان واستقرار وتوازن ورحمة وحسن فهم وحسن تصور، وإتقان وإخلاص سجي مستمر، فاستدبار طريق الله في تعلم الغيب وجهلهم بحقيقة ذلك الغيب وتعالمهم وزعمهم، أدى بهم إلى تعطل شعورهم ومعرفتهم بحقيقة هذه الحياة، وبالتالي اضطراب معرفتهم بالآخرة وشكهم في ذلك..

⭐ثم جاء الإضراب الآخر وهو (بل هم منها عمون) ولم يقل عنها ، فالعمى وهو عدم البصر والنظر والتأمل يكون عن الشيء، فلماذا قال (منها) الدالة على الابتداء، ؟؟؟

للدلالة على المعنى المقرر سابقا في (في شك منها) فكما أن سبب شكهم منطلق من جهلهم بالآخرة، فكذلك عماهم منطلق من جهلهم بالآخرة، فعلم الآخرة بصر وبصيرة، ونور وسراج يضيئ الحياة وينير الطريق، ويجعله ذا هدف وغاية وخطة ودراسة، فلم تقف مفسدة عدم علمهم بالآخرة وتشوه ذلك العلم عند الشك، بل تجاوز الأمر إلى العمى، لذلك قدم (منها) للدلالة على أهمية ذلك العلم في تنوير البصر والبصيرة..

وهذه الضمائر في (يشعرون و يبعثون و علمهم و هم ) كلها مخصصات لعموم ( من) في قوله تعالى اول الآية ( قل لا يعلم من…) للدلالة على أن علم الغيب متاح، ولكن مصدره الموثوق والوحيد وميزانه السديد هو علم الله عزوجل.. وكل ما عدا ذلك وهم وخرافة وضلال..

⭐(وقال الذين كفروا أإذا متنا وآباؤنا أإنا لمخرجون، لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين)

ومثال شكهم وعماهم الناتج عن جهلهم بعلم الآخرة، هذا التسلسل غير المنطقي، والذي يظهر منه، عدم موضوعية واهتمام بالوصول إلى الحقيقة، فوصف كفرهم باستعمال الموصول والصلة للدلالة على تعليل وسبب هذا الشك والعمى وهذه اللاموضوعية في التعامل مع قضية البعث، فالمقدمة الأولى التي بدأوا بها باستفهام دال على تشكك وهي (أإذا متنا.. أإنا لمخرجون) وما المانع في أن يكون بعد الموت إخراج، لم يذكروا أي مانع، مجرد إنكار لأجل الإنكار، لم يقولوا أن المانع من الإخراج بعد الموت هو كذا وكذا، وهذه علامة عماهم وشكهم، وسواء جاء الاستفهام في الكلمتين أو في إحداهما مع حذفه في الموضع الآخر في قراءات هذا الحرف، فكل ذلك يؤكد هذا المعنى.

ثم بعد ذلك احتجوا بطول الأمد بأن هذا الوعد لم يتحقق من قبل، رغم أن ذلك الوعد لم يحدد له أجل معين، فهو في إطار محكوم بالحكمة والسببية والغيبية، وبالتالي فإن طول الأمد أو عدم سرعة التنجيز، أو عدم تحققه في حياتهم أو حياة آبائهم، لا يعتبر دليلا واضحا صريحا على عدم تحقق وعدم وقوع ذلك الوعد..

هذا لون وعلامة على شكهم وعماهم المنطلق من جهلهم بعلم الآخرة المنبعث من عدم أخذهم علم الغيب عن الله عزوجل..
وقدم اسم الإشارة هنا (هذا) الراجع على البعث للدلالة على أنه محور الحديث والنقاش والحوار وليس كما في سورة المومنون..

فأي جريمة أبلغ من هذه الجريمة – جريمة ادعاء علم الغيب وأخذه من غير محله، وتغييب علم الآخرة- التي هي أم الجرائم، لأن بها تختل التصورات والمفاهيم، وتفسد الأحكام والتصديقات، وتضطرب المقاصد والتوازنات، وتنهار الآمال، وتضيع الأعمال والأعمار..

لذلك كان من مقاصد الأمر بالسير في القرآن، هو النظر والتأمل والدراسة والتحري، لأحوال هؤلاء المجرمين، الذين استدبروا منهج الله، وتقالُّوا علم الغيب، وأعرضوا عن باب الله فيه، وتألهوا واستكبروا وجاحدوا وغيبوا علم الآخرة في المناهج والفكر والإعلام والأخلاق والقيم والمعاملة والمجتمع، وجففوامنابع هذا العلم، وبالتالي اختلطوا في علم الآخرة وشككوا منه وفيه وعموا منه وفيه، فوصلوا إلى ما وصلوا إليه فكانت عاقبتهم التيه والضلال والانحراف..

(قل سيروا في الأرض فانظرو كيف كان عاقبة المجرمين)

سفيان أبوزيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى