تقارير و دراسات

لماذا فرحنا بفوز تركيا؟

بقلم الأستاذ سفيان ابو زيد

تجد شخصا في أقاصي ومهاوي أفقر أحياء عالمنا، لا يجد قوت يومه، ملابسه بالية، كوخه مهترئة، يكاد رأسه يهوي من ثقل الهموم والغموم، ابناؤه بين شبه مشرد وعاطل، إذ لا مدرسة تأوي ولا عمل يعول، زوجته تقضي يومها من بيت الى بيت منظفة مكنسة بحثا عن دريهمات، لا يوقفها مرض ولا تعرف إجازة حمل، وإذا مرضت وجدت مبنى خاو على عرشه، كتب عليه مستشفى كذبا وبهتانا، أما إذا حملت فإنها تفضل أن تضع في بيتها معززة مكرمة مؤمنة على أن ترمي بوليدها في ممرات ذلك المبنى، وإن ولدته على فراش مهترئ تخاف أن يسرق منها…
في بلد ينافس في تظاهرات اللعب من تجاوزه بأميال في تظاهرات الجد…

ذلك الشخص بعد أن استعمل كل الوسائل المشروعة لإيصال صوته وتعريف الناس بحالته احتج، ندد، قاطع، وبعد أن فقد الأمل في انتخابات بلده ومسؤوليها الذين هم بين مفترس وصالح مغفل، تجده طيلة الايام السابقة متابعا لانتخابات في بلد بعيد لا تربطه به مصلحة، ولا تصله منه مساعدة، غير أنه يعلم بأنه بلد كان منذ سنوات قلائل يعج بالاكواخ وبالبطالة والفقر والمحسوبية وبالمباني الخاوية التي كتب على واجهاتها مستشفيات ومدارس وبرلمانات كذبا وبهتانا…
كان منذ سنوات قلائل يرمي بفلذات كبده في مهاوي الذل في اوروبا والخليج بحثا عن لقمة العيش…
كان منذ سنوات قلائل تحكمه الدكتاتورية المبطنة بشعارات الحرية الزائفة المنتقية…
هذا البلد خلال سنوات قلائل
صارت الأكواخ مساكن وبنايات شاهقة
وصار السكن والعمل والصحة والتعليم حقوقا لا مكرمات وهبات…
صار مغناطيسا يجذب إليه فلذات كبده بعد أن كانوا أرقاء عند من لا يستحق السيادة…
صارت المستشفيات مستشفيات، والمدارس مدارس، والبرلمان برلمانا…
صار بلد التصنيع والاستثمار والمضاهاة لاسياد العالم ظلما وغطرسة…
صار بلد الحرية العادلة التي لا تميز بين عرق وعرق او فكر وفكر والكل محكوم بالقانون…
ورغم كل الضربات التي كيلت له والمؤامرات التي حيقت به، آوى المشرد وأمن اللاجئ ونصر المظلوم وساعد المحتاج ووقف أمام صناديد الاستكبار في العالم…

ذلك الشخص في الليلة الماضية وهو يترقب نتائج انتخابات ذلك البلد وكأنه يتابع فيلم أحلامه وأمانيه التي يراها قد تحققت وانجزت على أرض الواقع في سنوات قلائل في ذلك البلد…فيستمتع بذلك المشهد الرائع الجميل الذي تناغمت فيه مشاعر الفرح بالانجاز واللحمة بين السائس والمسوس والأمل في مستقبل معطاء…
ولكنه سرعان ما يرجع إلى واقعه فيجده كما هو لم تأخذ مسؤوليه حمية الامكانية والمنافسة والاستفادة…
ويبقى الأمل معقودا…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى