اسلاميات

اياكم و الظن…

إخواني الاكارم لقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على حُسن الظن من خلال قوله: (إيَّاكم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أَكْذبُ الحديثِ ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تَنافسوا، ولا تحاسَدوا، ولا تباغَضوا، ولا تدابَروا، وَكونوا عبادَ اللَّهِ إخوانًا).
سقول الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ الَّذِي تُنَاطُ بِهِ الْأَحْكَامُ غَالِبًا ، بَلِ الْمُرَادُ تَرْكَ تَحْقِيقِ الظَّنِّ الَّذِي يَضُرُّ بِالْمَظْنُونِ بِهِ ، وَكَذَا مَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَوَائِلَ الظُّنُونِ إِنَّمَا هِيَ خَوَاطِرُ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا ، وَمَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ لَا يُكَلَّفُ بِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ تَجَاوَزَ اللَّهُ لِلْأُمَّةِ عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ . وَقَالَالْقُرْطُبِيُّ : الْمُرَادُ بِالظَّنِّ هُنَا التُّهْمَةُ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا كَمَنْ يَتَّهِمُ رَجُلًا بِالْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهَا ، وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَلَا تَجَسَّسُوا وَذَلِكَ أَنَّ الشَّخْصَ يَقَعُ لَهُ خَاطِرُ التُّهْمَةِ فَيُرِيدُ أَنْ يَتَحَقَّقَ فَيَتَجَسَّسُ وَيَبْحَثُ وَيَسْتَمِعُ ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُوَافِقُ قَوْلَهُ – تَعَالَى – : اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَدَلَّ سِيَاقُ الْآيَةِ عَلَى الْأَمْرِ بِصَوْنِ عِرْضِ الْمُسْلِمِ غَايَةَ الصِّيَانَةِ لِتَقَدُّمِ النَّهْيِ عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ بِالظَّنِّ ، فَإِنْ قَالَ الظَّانُّ أَبْحَثُ لِأَتَحَقَّقَ ، قِيلَ لَهُوَلَا تَجَسَّسُوا فَإِنْ قَالَ تَحَقَّقْتُ مِنْ غَيْرِ تَجَسُّسٍ قِيلَ لَهُ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَقَالَ عِيَاضٌ : اسْتَدَلَّبِالْحَدِيثِ قَوْمٌ عَلَى مَنْعِ الْعَمَلِ فِي الْأَحْكَامِ بِالِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ ، وَحَمَلَهُ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى ظَنٍّ مُجَرَّدٍ عَنِ الدَّلِيلِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلٍ وَلَا تَحْقِيقِ نَظَرٍ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ بِالظَّنِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالِاجْتِهَادِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ أَصْلًا ، بَلِ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ لِذَلِكَ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ضَعْفَهُ ظَاهِرٌ وَأَمَّا بُطْلَانُهُ فَلَا ، فَإِنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لِذَلِكَ ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَدْ قَرَّبَهُ فِي ” الْمُفْهِمِ ” وَقَالَ : الظَّنُّ الشَّرْعِيُّ الَّذِي هُوَ تَغْلِيبُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ أَوْ هُوَ بِمَعْنَى الْيَقِينِ لَيْسَ مُرَادًا مِنَ الْحَدِيثِ وَلَا مِنَ الْآيَةِ . فَلَا يُلْتَفَتُ لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى إِنْكَارِ الظَّنِّ الشَّرْعِيِّ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ بِسَدِّ الذَّرِيعَةِ فِي الْبَيْعِ فَأَبْطَلَ بَيْعَ الْعِينَةِ ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ النَّهْيُ عَنِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ شَرًّا ، فَإِذَا بَاعَ شَيْئًا حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ بِهِ وَلَمْ يَبْطُلْ بِمُجَرَّدِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ سَلَكَ بِهِ مَسْلَكَ الْحِيلَةِ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ . وَأَمَّا وَصْفُ الظَّنِّ بِكَوْنِهِ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، مَعَ أَنَّ تَعَمُّدَ الْكَذِبِ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إِلَى ظَنٍّ أَصْلًا أَشَدُّ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَى الظَّنِّ ، فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الظَّنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إِلَى شَيْءٍ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَيُجْعَلُ أَصْلًا وَيُجْزَمُ بِهِ ، فَيَكُونُ الْجَازِمُ بِهِ كَاذِبًا ؛ وَإِنَّمَا صَارَ أَشَدَّ مِنَ الْكَاذِبِ ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ فِي أَصْلِهِ مُسْتَقْبَحٌ مُسْتَغْنًى عَنْ ذَمِّهِ ، بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّ صَاحِبَهُ بِزَعْمِهِ مُسْتَنِدٌ إِلَى شَيْءٍ فَوُصِفَ بِكَوْنِهِ أَشَدَّ الْكَذِبِ مُبَالَغَةً فِي ذَمِّهِ وَالتَّنْفِيرِ مِنْهُ ، وَإِشَارَةً إِلَى أَنَّ الِاغْتِرَارَ بِهِ أَكْثَرُ مِنَ الْكَذِبِ الْمَحْضِ لِخَفَائِهِ غَالِبًا وَوُضُوحِ الْكَذِبِ الْمَحْضِ .

قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ) قَدِ اسْتُشْكِلَ تَسْمِيَةُ الظَّنِّ حَدِيثًا ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ سَوَاءٌ كَانَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا يَنْشَأُ عَنِ الظَّنِّ فَوُصِفَ الظَّنُّ بِهِ مَجَازًا .

إذا تمثَّل المجتمع المسلم خلق حسن الظن بالناس حتى يصبح ظاهرة عامة فيه، فإنّ أعداء المسلمين سيعجزون عن النيل منهم، وستفشل كل محاولاتهم لذلك، حيث إنّ القلوب التي يكون أساسها مبنياً على إحسان الظن ببعضها تكون متآلفةً صافية، ولا يستطيع أحدٌ الولوج إليها وتعكير صفوها، كما أنّ مثل تلك المجتمعات تصبح أبعد ما يكون عن المنكرات.

و اخيرا تحضرني مقولة لو طبقناها لكانت اساس نجاح و تطور المسلمين.
لا يمكن أن تصل لليقين دون شك ولا للنجاح دون فشل ولا للسكينة دون اضطراب ولا لأي شيء دون حب. احب لأخيك ما تحبه لنفسك فهذا من كمال الإيمان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى