اسلاميات

من تساؤلات القارئ المتدبر: و قل الحمد لله

بقلم الأستاذ سفيان ابو زيد

{وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرا}

أمر الله تعالى نبيه أن يحمده في خاتمة سورة الإسراء وعلل ذلك الحمد بثلاث صفات… لماذا؟

يفهم من تلك الصفات السلبية او المنفية ثلاثة أصول في اختيار الإله او الرب:

الأصل الأول العدل:

الذي لم يتخذ ولدا: ليس المقصود لم يكن له ولد وإنما المقصود لم يجعل له ولدا فالاتخاذ غير الكون
لأن الاتخاذ ارادي واختياري والكون قدري، فالله عزوجل لم يتخذ ولدا من خلقه، فخلقه عنده سواء من حيث الخلق والطينية والعرق والنسب وليقطع عن الأذهان أن ينسب أحد شخصه إلى الله عزوجل يوما ما، فهو ادعاء كاذب وبهتان واضح…وهذا المعنى جاء مشارا إليه في آخر سورة الإسراء التي فيها معجزة التقريب والتفضيل – معجزة الإسراء والمعراج – ، حتى لا يتسرب إلى الأذهان شيء من ذلك الاتخاذ، وهذا المعنى جاء مشارا إليه في آخر سورة في القرآن فقال تعالى ( قل اعوذ برب الناس) فهو رب كل الناس، حتى لا يتسرب إلى القلوب أي تفضيل بمجرد الانتساب إذا لم يقارن ذلك عمل واكتساب.
فعدم اتخاذ الولد من رب الارض والسماء التي هي معنى من معاني العدل، صفة تدعو العبد إلى الحمد بل هو مأمور بذلك، والامر فيه تنبيه وتخصيص حتى لا نغفل عنها.
وللاشارة فاتخاذ الولد مكرمة بالنسبة للانسان، منقصة بالنسبة لخالق الاكوان…وهنا يظهر لك البون الشاسع بين ضعف وفقر ذلك الانسان وقوة وقيومية وكمال الكريم المنان، مما يدعونا إلى الإعلان بأعلى اصواتنا ومن اعماق قلوبنا (الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا)

الأصل الثاني- التوحيد والتفرد في الملك

هذه الصفة منقصة في حق البشر كمال في حق رب البشر، لأن تفرد البشر في اتخاذ قرار يخص بقية البشر دون مشاورتهم، او أخذ رأيهم، مع تشابههم في الإمكانات والموارد البشرية والخلقية، ولم يُتخذ أحد منهم ولدا منسوبا إلى الله عزوجل، كل هذا يولد ظلما وانحرافا وتألها وفسادا…لأن الانسان يبقى في دائرة الضعف والعجز والفقر مهما تطورت قوته، او صقلت مهارته، او تعددت امكاناته، فأي تفرد يورث فسادا ودمارا، وأي تكامل يورث صلاحا وازدهارا…
أما بالنسبة للمتصف بالكمال والقوة والقيومية والغنى والحكمة والعدل، فأي تشريك أو إشراك أو شركة في الملك والقرار والسلطة، تورث فسادا ودمارا ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) إذ علة هذا الاتقان والاحسان والحسبان هو تفرد الملك الديان، مما يدعونا إلى الاستجابة لأمره سبحانه فنقول ( الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك )

الأصل الثالث- العزة والكرامة

هذه الصفة متناقضة المصدر بين الرب والمربوب…
فالله عزوجل ذا الجلال والاكرام الكامل الكمال المطلق المتكبر المتعالي هو أصل العزة ومشكاتها وهو أهل لذلك.
وعزة المربوب مصدرها ذله وانكساره وطاعته واستسلامه استجابته لمصدر العزة ومشكاتها، فكلما زدت لربك ذلا زدت عزة ورفعة، لأنك في المكان الصحيح المناسب لك ولمهمتك، وكلما تكبرت وزدت تكبرا وغطرسة وتبجحا، إلا وزدت ذلا ومهانة ونقصا، لأنك خرجت عن إطارك…
فموالاة ذلك الرب تورث عزة وكرامة حقيقية وأي إعراض واستدبار لمنهجه وربوبيته فهو منحدر مهانة وذل وإن بدت في الأعراض كبرا وفخرا…
فرب كهذا عدل في فعله وكمال في وصفه وتفرد في حكمه وعزة في موالاته ألا يستحق الاستجابة لأمره ( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل)
ثم جاء أمر ختامي معلن وهو ( وكبره تكبيرا ) أي اجعله اكبر اهتماماتك وأكبره غاياتك وأكبر انتماءاتك…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى