النزاع الكتالوني.. ملف يهيمن على الانتخابات بإسبانيا

يتكرر المشهد في بلدات باسكية وكتالونية، ثلة من الإعلاميين تحيط بنواب حزب “ثيودادانوس” المحاطين دائما برجال الأمن. في بلدة توريّا دي مونغري الواقعة في مقاطعة جيرونا الكتالونية، لكن عوض الاحتقان المعهود اختار سكان هذه البلدة إدارة ظهورهم لحظة مرور الوفد البرلماني عبر ساحة البلدية.

يعلم هذا الحزب -الليبرالي المؤيد للوحدة مع إسبانيا- أن حظوظه الانتخابية تكاد تكون منعدمة، فالمنطقة تعتبر معقلا للقوميين الكاتالونيين، لكن حضور إينيس أريماداس (زعيمة هذا الحزب) إلى توريّا لم يكن بهدف إقناع سكانه ببرنامجها الانتخابي، وإنما لإظهار تشددها مع من تسميهم “الانفصاليين وعرّابي الانقلاب على الشرعية” في إسبانيا.
يرى فيرّان كاساس مدير صحيفة “ناسيو ديجيتال” -في تصريحاته أن رهان هذا الحزب الذي حصل على أكبر عدد من الأصوات بانتخابات كتالونيا الإقليمية يأتي بعد احتدام المنافسة بين القوى السياسية المحافظة في إسبانيا وجَعْلِ ملف كاتالونيا أيقونة لحملتها الانتخابية.
في معجم هذه الأحزاب تغيب مصطلحات التفاوض والحوار واحتواء الأزمة عبر مسالك السياسة، فالوصفة الوحيدة حسب اليمين الإسباني هي تعليق الحكم الذاتي وحل الأحزاب القومية الكتالونية. نظرة يسهل سماعها أيضا في المهرجانات الخطابية لحزب “فوكس” اليميني المتطرف الذي يدغدغ بدوره مشاعر الإسبان ضد من نظموا استفتاءً يعتبر في قاموس هذه القوى السياسية أخطر من المحاولة الانقلابية التي شهدتها إسبانيا في 23 فبراير/شباط 1981 من القرن الماضي.
على بعد 1125 كيلومترا من بلدة توريّا دي مونغري تقع كوريبي الأندلسية، حيث تتكشف ترددات هذا الاحتقان. في احتفالاتها السنوية حمل سكان كوريبي هذه السنة دمية تشخِّص الرئيس الكتالوني السابق كارلاس بوتجديمون “الخائن” حسب تقديرهم والذي يستحق أشد عقاب بعد سبّه وحرق الدمية التي ترمز إليه، انتهى المشهد بإطلاق رصاصات من بنادق الصيد على ذلك المُجسَّد.

“إنه عمل شنيع ومقزز” هكذا رد رئيس الحكومة الكتالونية كيم تورا الذي قال إنه سيرفع دعوى قضائية ضد منظمي هذه “الاحتفالات العنصرية” مطالبا في الوقت نفسه رئيس الحكومة وزعماء باقي الأحزاب الإسبانية بشجب هذه التصرفات، لكن هذا الطلب لم يلقَ صدىً لدى رئيس الحكومة الإسبانية الذي يسعى إلى طمأنة الناخبين الإسبان عبر ترديد لازمة “لا.. تعني لا” في إشارة إلى عدم رضوخه لمطلب القوميين الأبرز وهو إجراء استفتاء لتقرير المصير.

موقفٌ يكاد يتلاشى لدى شريكه المحتمل في حال فوز اليسار، إذ يؤكد بابلو إغلسياس زعيم حزب “بوديموس” اليساري أن احتواء الأزمة الكتالونية يمر عبر الاعتراف بالطابع متعدد القوميات للدولة الإسبانية. ليونة قد تكون ضرورية لتشكيل الحكومة المقبلة، فاستطلاعات الرأي ترى أن اليساريين قد يحتاجون إلى أصوات القوميين للحصول على أغلبية تمهد لتشكيل الإدارة المقبلة.

يعلم ذلك روجيه تورينت رئيس البرلمان الكتالوني الذي رافقه مراسل الجزيرة نت أثناء تنقله إلى بلدة أمبوستا حيث شارك بمهرجان خطابي أثناء الحملة الانتخابية.

ينتمي هذا القيادي الشاب إلى حزب اليسار الجمهوري الذي كان من أكبر المدافعين عن انفصال كتالونيا، أما وقد سُجِن أبرز رفاقه وفرّ بعضهم إلى دول أوروبية، فقد طرأت تحولات على مشروعه السياسي، فبدل الرهان على الحل الأحادي الجانب للأزمة، يرى تورينت أنه لا سبيل سوى التفاوض، وإن كان استفتاء تقرير المصير هدفه النهائي.

ويقول “نحن مقتنعون بأنه إذا كان حكم الدولة الإسبانية يعتمد على حزب اليسار الجمهوري الكتالوني، فإن استفتاء تقرير المصير الذي يبدو اليوم مستحيلا سيكون لا مفر منه، لأنه لا توجد وسيلة ديمقراطية وسلمية أخرى غيره لحل النزاع الكتالوني”.