الأمراء الثعالب

منَ المقال الأسبوعي بقلم الشيخ كمال خطيب

إنهم أولئك الزعماء الذين إما ورثوا الحكم وراثة، وإما اغتصبوه اغتصابًا وليس منهم واحد قد وصل عبر صندوق الانتخابات. هؤلاء الذين لا همّ لهم إلا الحفاظ على عروشهم وكراسيهم ومكتسبات عائلاتهم ومقربيهم، ولأجل ذلك فإن الغاية عندهم تبرر الوسيلة. فمن أجل البقاء في الحكم لاستمرار سلب ما تبقى من ثروات البلاد فإنه القمع والقهر والظلم، وإنها السجون والزنازين، وإنه التضييق وقمع الحريات، وإنه شراء الذمم والضمائر من الكتّاب والعلماء والأدباء وغيرهم وفوق هذا كله فإنه التظاهر بالوطنية وبالتديّن لإضفاء هالة من الشرعية على أنفسهم وهم ليسوا كذلك.
وإنها الشعوب المقهورة، فمن بينها من يصبح مثل القطيع يسير ويلهث خلف كلّ مَن يملأ بطنه ويتحول إلى مصفق ومطبّل، بينما يلتزم الفريق الآخر الصمت خشية أن تنهشه سياط الظلم والقهر، ومن رفع صوته رافضًا هذا الحال فإنه السجن والقمع ولعله القبر، فيسبق البعض ذلك بالفرار والهجرة خارج الوطن غريبًا هائمًا على وجهه.
وكم كانت وما زالت معبرة قصيدة أحمد شوقي عن الثعلب والديك، وهي في الحقيقة تحكي قصة ذلك الحاكم الطاغية مع أفراد الشعب المقهور:
بَرَزَ الثَعلَبُ يومًا في ثِياب الواعِظينا
فَمَشى في الأَرضِ يَهذي وَيَسُبُّ الماكِرينا
وَيَقولُ الحَمدُ لله إِلَهِ العالَمينا
يا عِبادَ اللَهِ توبوا فَهوَ كَهفُ التائِبينا
وَاِزهَدوا في الطَيرِ إِنَّ العَيشَ عَيشُ الزاهِدينا
وَاطلُبوا الديكَ يُؤَذِّن لِصَلاةِ الصُبحِ فينا

لقد أرسل الثعلب سفيره ومندوبه لإقناع الديك بتوبة الثعلب، لكن الديك كان ذكيًا ولم تنطلِ عليه حيلة الثعلب ومكره

فَأَجابَ الديكُ عُذراً يا أَضَلَّ المُهتَدينا
بَلِّغِ الثَعلَبَ عَنّي عَن جدودي الصالِحينا
عَن ذَوي التيجانِ مِمَّن دَخَلوا البَطنَ اللَعينا
أَنَّهُم قالوا وَخَيرُ القَولِ قَولُ العارِفينا
مُخطِئٌ مَن ظَنَّ يَومًا أَنَّ لِلثَعلَبِ دينا
مع الأسف إن الديك كان فطينًا ونبيهًا أكثر من المرحوم الاستاذ جمال خاشقجي، الذي صدّق سفير وقنصل محمد بن سلمان بأنه يساعده ويوقّع له الوثائق التي طلبها، فظنّ أن للثعلب ابن سلمان دين ومروءة وبقايا إنسانية، ونسيَ ما قاله العارفون والعقلاء ممن هم في سجون ابن سلمان وزنازينه.
لقد وقع خاشقجي في الفخ وأكل الطُعم، وقد ظنّ أنّ للثعلب بن سلمان دين، فكان مصيره القتل والتقطيع بالمنشار كما تفعل أنياب الثعلب بالديك لمّا تفترسه.
وكيف يكون عندهم دين وهم الذين فضّلوا ودعموا السيسي الذي أمر بحرق كتب السلف على محمد مرسي الذي ترضّى على الصحابة أبي بكر وعمر في عقر مقر الحكم في طهران، وهو فك الله أسره من حفظة القرآن.
وكيف يكون عندهم دين وهم الذين رفضوا استقبال ولا السماح للشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والشيخ حارث الضاري رئيس هيئة علماء العراق بدخول السعودية، بينما استقبلوا سمير جعجع النصراني الحاقد ووليد جنبلاط الدرزي الراقص على كل الحبال مع كل ما فعلوه بالمسلمين، أم أن ذنب الشيخ حارث أن جدّه ضاري هو من قتل القائد العسكري الانجليزي في العراق في معركة البصرة الشهيرة في عشرينيات القرن الماضي.
وكيف يكون عندهم دين وهم الذين قتلوا عشرات آلاف اليمنيين والمصريين وغيرهم من المسلمين إما بسلاحهم أو بأموالهم.
وكيف يكون عندهم دين وقد أهدى الملك عبد الله قلمه للكاتب العلماني تركي الحمد وهو من كتب بنفس القلم “إن محمدًا قد صحح عقيدة إبراهيم وآن الآوان لمن يصحح عقيدة محمد”. وهو الذي كتب وقال “علينا أن نتخلى عن ابن تيمية كما تخلى الغرب عن أوغسطين”.
وكيف يكون عند آل سعود دين وهم الذين يسمحون للمخنّثين من المغنيين العرب والأجانب لإقامة الحفلات الماجنة في بلاد الحرمين، وهم الذين وعدوا بفتح وإقامة الكنائس في بلاد الحرمين بما يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إنهم الأمراء والثعالب، ومخطئ من ظن يومًا أنّ للثعلب دينًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.