اللاجئون الفلسطينيون يصارعون الانهيار اللبناني داخل مخيماتهم

على تلة صغيرة تبلغ مساحتها كيلومترا مربعا واحدا تتجلى مظاهر الشقاء والعوز داخل مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين شمالي لبنان، فهذه البقعة -التي يقطنها أكثر من 55 ألف نسمة- تفتقر للحد الأدنى من مقومات العيش السليم.

وتبرز تلك المظاهر حولك في كل شيء: طرقات ضيقة متعرجة تملؤها الحجارة، نفايات تغمر الزوايا، مساكن عشوائية ومتهالكة، أسلاك كهربائية متداخلة تحجب الأفق وتؤثث أسقف المخيم، لاجئون يساومون البائع على سعر عبوة زيت أو نحو ذلك، أطفال يلهون في الحارات بدل التعلم، وشباب يعبرون بوجوه بائسة، فيما يجمع بعضهم بقايا الخردة في أرض بور عند مدخل المخيم.
حكايات اللاجئين
هناك في أحد أزقة المخيم 5 نساء يتشاركن بلهجتهن الفلسطينية همومهن المعيشية، ترفع ميسر حسين (65 عاما) كيسا بيدها وهي تقول “تخيلوا أنني اشتريت فقط 2 كيلو كوسا لـ9 أشخاص”، ثم تقاطعها شقيقتها جميلة (59 عاما) موضحة “بالطبع لا نشتري اللحوم والدواجن لأنها لم تعد لنا”.

لكن رانيا عودة (42 عاما) -التي طلبت من جاراتها التحدث باسمهن- قالت للجزيرة نت “المخيمات أصبحت سجنا كبيرا لا يمكننا الخروج منه، معظم أولادنا لا يتعلمون أونلاين بسبب عجزنا عن تأمين كلفة الإنترنت والهواتف، ومدخولنا اليومي لا يتجاوز 20 ألف ليرة، أي أقل من 3 دولارات”.

على بعد أمتار منهن يقف الفلسطيني أبو أرز (42 عاما) عند بسطة لبيع عصير الليمون والجزر، يلتفت يمينا وشمالا كأنه يستنجد عبور الزبائن.

ويقول أبو أرز للجزيرة نت “نحن متروكون بلا سند، ونشعر بضغط نفسي واقتصادي، لأننا نفتش عن رزقنا فلا نجده، مما يدفع أبناءنا لجمع الخردة لتأمين القليل من المال”.

أنشأت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في لبنان مخيم البداوي عام 1955، وتحيط به مناطق ذات حساسية أمنية، من طرابلس إلى جبل البداوي وتلال جبل تربل وتلة المنكوبين.

ويعتبر المخيم قريبا من مخيم نهر البارد أيضا الذي شهد مواجهات عنيفة منتصف 2007 بين الجيش اللبناني ومجموعة فتح الإسلام، مما أدى لتشرد نحو 27 ألف لاجئ فلسطيني توجه معظمهم إلى مخيم البداوي، كما أنه استقطب مئات النازحين السوريين وعشرات العائلات اللبنانية المعدومة، فصار من أكثر المخيمات اكتظاظا.

ووسط هذا المزيج يتكثف الحضور الأمني للفصائل الفلسطينية وكأن حواجزها المسلحة تضبط إيقاع أي فوضى محتملة، فتراقب العابرين وتنتشر عناصرها بمختلف الأزقة، وتتدلى من شرفاتها الأعلام الفلسطينية وشعارات “حق العودة” وصور الشهداء وياسر عرفات موقعة بعبارة “باق فينا ما حيينا فكرا وثورة”.

ومن داخل مكتب يضج بطالبي المساعدات الإغاثية يلفت أمين سر اللجنة الشعبية في مخيم البداوي أحمد شعبان إلى أن أزمة اللاجئين تعقدت نتيجة تدهور الأوضاع بلبنان، فضلا عن تشديد الإجراءات الرسمية بحق الفلسطينيين، حيث لا يستطيعون العمل خارج المخيمات إلا بعد الحصول على رخصة رسمية مع قيود مشددة.

لذا، أصبح الشاب الفلسطيني يشعر بأنه عبء على أهله بدل أن يعيلهم، وصارت أكثر المهن رواجا هي استئجار دكان صغير أو بيع القهوة أو العمل بالخردة، وفق ما قاله شعبان للجزيرة نت.

من جهته، يحمّل عضو القيادة المركزية لحركة الانتفاضة الفلسطينية في مخيم البداوي العميد يوسف حمدان الأونروا مسؤولية معاناة اللاجئين الفلسطينيين، خصوصا مع قرار السلطات اللبنانية حرمانهم مزاولة 39 مهنة.

ويلفت حمدان للجزيرة نت إلى أن النزوح السوري نحو المخيمات الفلسطينية شكل ضغطا عليها، نظرا لتشابك أوضاعهم المأساوية.

ولا ينفي العميد انتشار السلاح داخل المخيمات، دون أن يكون مشروعا، وعنوانه “حق العودة” إلى فلسطين التاريخية، مشيرا إلى أن التنسيق قائم بين الفصائل والأجهزة الأمنية اللبنانية لمتابعة الوضع الأمني داخل المخيمات في ظل المخاطر التي تحدق بها.

ويوجد في لبنان 12 مخيما للفلسطينيين، في الشمال البداوي ونهر البارد، وشرقا الجليل، ومخيمات الضبية ومار إلياس والبراجنة وصبرا وشاتيلا في بيروت، وعين الحلوة والمية ومية في صيدا، ومخيمات الرشيدية والبص والبرج الشمالي في صور.

وهنا، يلفت الباحث الفلسطيني علي هويدي مسؤول الهيئة “302 للدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين” إلى أن هذه المخيمات معترف بها جغرافيا وديمغرافيا من قبل الدولة اللبنانية والأونروا، لكن هناك نحو 158 تجمعا للاجئين تعترف بها الأونروا ديمغرافيا وليس جغرافيا، فيما خدماتها محصورة داخل المخيمات الرسمية فقط.

وحول أعداد اللاجئين الفلسطينيين، أعلن آخر إحصاء رسمي للسلطتين اللبنانية والفلسطينية (2017) -من خلال لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني- عن وجود 174 ألف لاجئ، أما أرقام الأونروا فتشير إلى وجود نحو 475 ألف لاجئ، من دون أن يعني ذلك أن جميعهم يقيمون في لبنان.

لكن الأونروا اتفقت مع الدولة اللبنانية -ولأغراض التخطيط- على اعتماد رقم تقريبي لأعداد اللاجئين وهو 180 ألف لاجئ، إلى جانب الخدمات المقدمة لنحو 27 ألف لاجئ فلسطيني هجروا من مخيماتهم في سوريا إلى لبنان منذ 2011، وفق ما تشير الناطقة الرسمية باسم وكالة “أونروا” في لبنان هدى سمرا، فيما تقدر اللجان الشعبية الفلسطينية وجود 300 ألف لاجئ فلسطيني.

وتشير هويدي إلى أن فاقدي الأوراق الثبوتية هم الفئة الأكثر تهميشا في لبنان، وتقدر أعدادهم بحوالي 12 ألف لاجئ فلسطيني غير مسجلين لدى الدولة أو الأونروا، وبالتالي لا يحصلون على خدماتها، لأنهم محرومون من الشخصية القانونية.

وأضافت أنهم جاؤوا بعد النكبة الفلسطينية 1967، وتجديد أوراقهم يتطلب توجههم إلى السفارتين الأردنية أو المصرية، وهم يتزوجون وينجبون أطفالا من دون أوراق ثبوتية.

ورغم تلك الأوضاع المعقدة فإن وكالة “أونروا” في لبنان -كما توضح الناطقة الرسمية باسمها هدى سمر- تعاني أزمة مالية حادة فرضت عليها عدم تلبية جميع حاجات اللاجئين، والتي تضاعفت منذ خريف 2019، ثم تفاقمت بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/آب 2020 وما تبعه من انهيار كبير في الدولة المضيفة.

وتشير أيضا إلى أن عجز ميزانية الوكالة بلغ نحو 300 مليون دولار، ومع ذلك تسعى لتغطية بعض النفقات الاستشفائية والتعليمية، خصوصا أن ميزانيتها تُحتسب مركزية، وهي 1.5 مليار دولار للأقطار الخمسة (لبنان، سوريا، الأردن، الضفة الغربية، قطاع غزة).

وقالت المتحدثة للجزيرة نت إن الوكالة تعجز عن الاستمرار بخدماتها الاعتيادية قبل الحديث عن خدمات استثنائية، وتلفت إلى أنها تبذل جهدها لتقديم خدماتها، وتعمل على رفع النداءات للدول المانحة، لأن ميزانيتها قائمة على تبرعاتها الطوعية.

من جهته، يذكر هويدي أن مسحا أجرته الأونروا في 2015 أظهر أن 95% من الفلسطينيين في لبنان ليس لديهم تأمين صحي ويعتمدون على الوكالة، وأن ثلثهم يعانون من أمراض مزمنة.

ويُرجح ارتفاع النسبة بعد 6 سنوات من المسح، مما يعني أن هذا الثلث يشكو من نقص حاد بالمناعة في ظل انتشار فيروس كورونا، حيث ارتفعت نسبة الحالات لنحو 8 آلاف إصابة وأكثر من 240 وفاة حتى منتصف مارس/آذار الماضي.

المصدر : الجزيرة