بعد قرار منعهم من دخولها.. مزارعون مغاربة يغادرون “ضيعاتهم” على الحدود مع الجزائر

ابتداء من الخميس، صار ممنوعا على المزارعين المغاربة وُلوج ضَيعاتهم في منطقة “العرجة” الحدودية الموجودة في إقليم فيجيج، بعد أن تلقوا أوامر من لجنة جزائرية رفيعة المستوى، تتكون من 15 مسؤولا عسكريا ومدنيا يتقدمهم جنرالان. بينما تفادى البيان الصحافي الذي أعقب الاجتماع الأسبوعي للحكومة المغربية أمس الإشارة إلى الموضوع من قريب أو من بعيد.

“أخبرونا أن علينا إخلاء ضيعاتنا التي استثمرنا فيها جهودنا وأموالنا منذ عقود طويلة، وأخذ آلياتنا الفلاحية والمغادرة، وإلا سنكون عُرضة للاعتقال”، يقول عمر بوبكري، مالك ضيعة بالمنطقة الحدودية التابعة لمدينة “فجيج” والواقعة ما بين جنوب شرق المغرب وجنوب غرب الجزائر.

وأكد خلال حديثه لـ”القدس العربي” امتلاكه هو وأكثر من 40 أسرة وثائق تثبت مغربية ضيعات منطقة “العرجة”، لافتا إلى أن أجداد أجداده استقروا في المنطقة واشتغلوا بكد في الضيعات واستغلوا محاصيلها، “أذكر وأنا طفل صغير أن والدي وجدّي زرعوا فسائل النخيل في ستينيات القرن الماضي، قبل أن نقوم رفقة أبنائنا بنفس الخطوة خلال التسعينيات”.

مسألة الحدود
منطقة “العرجة” ليست أول الأراضي الموجودة على الشريط الحدودي بين المغرب والجزائر والتي تثير من جديد مسألة الحدود بين البلدين، فقبلها وقع نفس الأمر بـ”زوزفانة” و”أمغرور” و”تمزُّوغت” وغيرها، على الرغم من بنود المعاهدة التي أًبرِمت بين البلدين يوم 15 حزيران/ يونيو 1972، وجرى تبادل وثائق التصديق عليها سنة 1989.

وينصُّ الفصل السابع من المعاهدة المذكورة، والتي صدرت في الجريدة الرسمية المغربية سنة 1992، على ما يلي: “اتفق الطرفان المتعاقدان الساميان على أن مُقتضيات هذه المعاهدة تسوّي نهائيا قضايا الحدود بين المغرب والجزائر”.

ما حدث بالمنطقة، جعل مُلاَّك الضيعات والمزارعين في حيرة من أمرهم، وإن كان صمت الدولة المغربية على ما يجري يدخل في إطار اتفاق مسكوت عنه، إلّا أن أكبر التساؤلات تنصب حول إمكانية تعويض الدولة المغربية وبأية طريقة.

قبل أيام قليلة فقط، عقد عامل (محافظ) إقليم فجيج، لقاء بعدد من مستغلي الأراضي الفلاحية المتواجدة بالمنطقة، بحضور نائب أراضي الجماعة السلالية “أولاد سليمان” ومجموعة من أعضاء المجلس النيابي، خُصِّص لتدارس التطورات المُرتبطة بوضعية الأراضي الفلاحية الموجودة في الجزء الواقع شمال وادي “العرجة” على الحدود المغربية الجزائرية، وذلك على إثر ما أسماه البلاغ “اتخاذ السلطات الجزائرية لقرار مؤقت وظرفي يقضي بمنع ولوج هذه المنطقة ابتداء من تاريخ 18 آذار/ مارس”.

محافظ الإقليم الحدودي، تدارَسَ رفقة المزارعين المتضررين، الحلول الممكنة للتخفيف من تداعيات القرار على مُستغلي هذه الأراضي الفلاحية، مؤكدا على أن السلطة الإقليمية وبتنسيق وتشاور مستمرين مع الهيئات التمثيلية للجماعة السلالية ومستغلي الأراضي الفلاحية المعنية بقرار السلطات الجزائرية، ستبقى مُنكبَّة على دراسة وإعداد صيغ حلول تأخذ بعين الاعتبار كافة الاحتمالات الواردة.

أصحاب الضيعات أكدوا لـ”القدس العربي” أنهم يرغبون في توثيق الاتفاق حول التعويض بالوثائق، لا أن تبقى الوعود شفهية.

تفاعلا مع القضية، عمد نادي المحامين بالمغرب إلى تكوين خلية أزمة لمواكبة فلاحي منطقة “العرجة” بفجيج، وجرى فتح قنوات الاتصال بالمتضررين من أجل تجميع كل المعطيات والوثائق ودراسة السبل القانونية المتاحة من أجل المطالبة بالتعويض عن نزع ملكية الأراضي، وفي حالة عدم استجابة القضاء الجزائري، الترافع أمام المنتظم الدولي بما فيها القضاء الإفريقي ومحكمة العدل الدولية.

ماذا يقول القانون الجزائري؟
وقال مراد العجوطي، رئيس نادي المحامين في المغرب، في بيان وصل إلى “القدس العربي” إن “تصريح الساكنة بخصوص استغلالهم لهذه الأراضي لما يفوق 30 سنة يجعلهم من مكتسبي الملكية عن طريق الحيازة طبقا لمقتضيات القانون، إذ أن الحيازة تعرف على أنها وضع اليد على الشيء والتصرف فيه تصرف المالك في ملكه، مع حضور المحوز عنه وعلمه وسكوته، وعدم منازعته طوال مدة الحيازة”.

في هذا الموضوع، تنص المادة 827 من القانون المدني الجزائري على أنه “من حاز منقولا أو عقارا أو حقا عينيا منقولا كان أو عقارا دون أن يكون مالكا له أو خاصا به صار له ذلك ملكا إذا استمر حيازته له مدة خمس عشرة سنة بدون انقطاع”.

وأشار البيان إلى أن أغلب فقهاء المالكية (يعتمد المشرع الجزائري المذهب المالكي كذلك) على أن الحيازة المتوفرة على شروطها تكون صحيحة، وتفيد صاحبها في مواجهة مدعي الملكية، فإذا حاز شخص عقارا، وظل ينسِبُه إلى نفسه ويدَّعي ملكيته والناس ينسبونه إليه، وتصرف فيه تصرف المالك في ملكه، مع حضور المحوز عنه ببلد الحوز وعلمه بالحيازة، وبملكيته لذلك العقار، وسكت بالرغم من ذلك، ولم ينازع الحائز من غير مانع أو عذر شرعي، حتى مضت المدة المعتبرة في الحيازة، فإن حقه يسقط ولا تسمع دعواه ولا بينته، ويعتبر الحائز مالكا للشيء المحوز.

استفزاز
من جانبه، دعا المكتب السياسي لحزب “التقدم والاشتراكية” المعارض، الحكومةَ المغربية إلى نهج التواصل والحرص على حقوق الأسر المعنية. ووصف الحزب الخطوةَ الجزائرية بذات “الطابع الاستفزازي في ظرفية دقيقة تجتازها العلاقات بين البلدين”، معتبرا أن المصلحة العامة للبلدين تكمن في تجنب كل ما من شأنه أن يُذكي أجواء التصعيد والتشنج والتوتر.

وأعرب عن تضامنه الكامل مع الأسر المتضررة، داعيا الحكومةَ إلى اعتماد مقاربة شفافة، في إطارٍ من الحزم والحكمة والاتزان، في تقديم ملابسات وأبعاد هذا الموضوع، بالنظر إلى حساسيته وأهميته واهتمام الرأي العام به. ودعاها كذلك إلى مواكبة الوضعية المقلقة للأسر المغربية المعنية بهذا القرار، وبذل كافة الجهود من أجل صون حقوقها ومصالحها.