التجارة الرقمية.. خطر التدبير الأعمى لقومية البيانات

من المؤكد أن التجارة الإلكترونية وتدفق المعلومات الرقمية سيتمتعان بأهمية كبرى في المستقبل، لا سيما وأن جائحة كورونا دفعت منحنى النمو إلى الأمام.

يقول الكاتبان سايمون ليستر وهوان زهو، في تقرير نشرته مجلة “ناشيونال إنترست” (National Interest) الأميركية، إنه وقع تسريب “نص تفاوضي موحد” لمفاوضات التجارة الإلكترونية في منظمة التجارة العالمية، وما يُظهره هذا النص هو أنه على الرغم من إحراز تقدم، فإن هناك الكثير من العمل الذي يجب إنجازه.

التجارة الإلكترونية نقطة مضيئة.. انخفاض قياسي لمبيعات التجزئة في بريطانيا
كيف غيرت منظمة التجارة العالمية اقتصاد الصين؟
ويقوم النص بتوحيد الآراء المختلفة للحكومات المتفاوضة من خلال جمعها كلها في وثيقة واحدة، ومن الواضح أن هناك العديد من القضايا التي لا توافق عليها هذه الحكومات، بما في ذلك القضية الأساسية للقواعد الخاصة بتدفق البيانات.

وعلى الرغم من هذه الاختلافات، فإن هذا المشروع يجب أن يستمر، وفي ظل تزايد أهمية البيانات في كل من المجالات التجارية والتنظيمية، تزداد الحاجة إلى معايير دولية قابلة للتطبيق على نطاق واسع لتوجيه الشركات والحكومات.

وتعتمد العديد من الشركات ذات التركيز الرقمي على البيانات بوصفها جزءا من نموذج أعمالها، في حين أن الحكومات تشعر بقلق متزايد بشأن قضايا الخصوصية والأمان التي تترتب عن ذلك.

ولكن ما الممارسات التجارية المقبولة؟ وما حدود التنظيم الحكومي المناسب؟ لسوء الحظ، القواعد الدولية في هذا المجال متخلفة ولا تعالج هذه القضايا بالشكل المناسب، يجب أن يتغير هذا قريبا من أجل تجنب الصراع الجيوسياسي وسياسة الحماية.

اتفاقيات تدفق البيانات
في الوقت الحالي، وفيما يتعلق بتدفق البيانات، نحن في المرحلة نفسها تقريبا التي عرفتها تجارة السلع قبل الحرب العالمية الثانية، في ذلك الوقت كان هناك عدد من الاتفاقات التجارية الثنائية التي تتناول السلع، ولكن لا توجد قواعد شاملة متعددة الأطراف، ونتيجة لذلك لم يكن هناك إطار عمل شامل يمكن للشركات والحكومات العمل في ظله.

الآن تظهر المشكلة ذاتها مع القواعد الرقمية، وهناك بعض القواعد الثنائية والإقليمية بشأن البيانات التي تم دفعها من قبل الولايات المتحدة، وكذلك من قبل الاتحاد الأوروبي ودول أخرى. لكن هذه أطر دولية متنافسة، وليست حلا شاملا متعدد الأطراف. بالإضافة إلى ذلك، لم يتم اختبار هذه القواعد، ولا يفهم معظم الناس ما تعنيه. إن عدم الوضوح يعني عدم اليقين لكل من الشركات والهيئات التنظيمية.

هناك بعض الالتزامات الواسعة في اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا المتعلقة بتدفق البيانات عبر الحدود، في الوقت نفسه هناك أيضا استثناءات متعددة للالتزامات، وهناك استثناء محدد لتوفير البيانات عبر الحدود للتدابير الحكومية الضرورية لتحقيق هدف مشروع للسياسة العامة.

وهناك استثناءات عامة لبعض أهداف السياسة العامة المحددة، والتي تنطبق على جميع الالتزامات الواردة في الاتفاقية، بالإضافة إلى ذلك، هناك استثناءات أمنية خاصة للغاية يمكن أن تظهر إذا قيدت الحكومات تدفق البيانات بسبب مخاوف بشأن الأمن السيبراني.

تكمن المشكلة في أنه عندما يتم النظر في هذه الالتزامات والاستثناءات معا، لا يمكن إدراك تأثير هذه الاتفاقيات على قيود البيانات الفعلية التي تفرضها الحكومات في العالم الحقيقي، مع ذلك، وكما هي الحال مع تجارة السلع، فإن المعنى المحدد للقواعد يجب أن يتجسد من خلال التنفيذ والإنفاذ.

ويشير الكاتبان إلى أن اتفاقيات التجارة الخارجية للدول الأخرى مفيدة أيضا، في الواقع لدى اتفاقيات التجارة الخارجية التي يقودها الاتحاد الأوروبي التزامات أقل شمولا وتميل إلى التركيز على حماية الخصوصية، وعلى سبيل المثال الفصل الخاص بالتجارة الإلكترونية في اتفاقية التجارة بين كندا والاتحاد الأوروبي محدود النطاق إلى حد ما، فهو يعزز قضايا مثل خصوصية البيانات ولديه استثناءات عامة تسمح للأطراف باتخاذ تدابير غير متوافقة مع الاتفاقية من أجل حماية الأمن العام والخصوصية.

في الوقت الحالي، يعتبر الاتحاد الأوروبي البيانات الشخصية مسألة تتعلق بحقوق الإنسان ولا يسمح بتدفق البيانات إلا في ظل ظروف معينة، بما في ذلك من خلال آلية الاعتماد والبنود التعاقدية القياسية وغيرها من الوسائل، وقد يكون من الصعب إقناع الاتحاد بتقديم التزامات مهمة بشأن تدفق البيانات في بيئة متعددة الأطراف.

سياسة الصين
في المقابل، تمثل الصين تحديا باعتبارها منافسا جيوسياسيا متناميا، تثير الصين مجموعة مختلفة من المخاوف، ينص القانون الصيني الحالي على مبدأ السيادة الإلكترونية ويفرض قيودا معينة على تدفق البيانات لأسباب أمنية، ودفعت هذه القيود بكين إلى تجنب قواعد البيانات القوية في اتفاقيات التجارة الخارجية الخاصة بها، على سبيل المثال تركز اتفاقيات التجارة الخارجية بين الصين وكوريا الجنوبية وأستراليا، بالإضافة إلى اتفاقيات التجارة الخارجية الأخيرة بين الصين ونيوزيلندا التي وقع تحديثها، على حماية البيانات عندما يتعلق الأمر بقواعد البيانات.

من ناحية أخرى، يمكن للشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، التي تفاوضت عليها الصين و14 دولة أخرى، أن تدفع بكين لأن تكون أكثر تقبلا لتدفق البيانات من الناحية النظرية، وعلى غرار اللغة المستعملة في اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، فإن للشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية لغة تضمن نقل المعلومات عبر الحدود، مع توفير استثناءات “لأهداف السياسة العامة المشروعة” و”المصالح الأمنية الأساسية”، ومع ذلك، فإن العديد من المراقبين يشككون في أن هذا قد يؤدي إلى أي تغيير في ممارسات الصين في هذا المجال.

بالإضافة إلى جهود هذه الاقتصادات الكبيرة، تحاول مجموعة من البلدان الأصغر أيضا تطوير قواعد جديدة في هذا المجال، ووقعت تشيلي ونيوزيلندا وسنغافورة مؤخرا اتفاقية الشراكة الاقتصادية الرقمية، التي تتضمن أحكاما متطورة في عدد من المجالات المتعلقة بالتجارة الرقمية.

تحديات
يوضح الكاتبان أنه فيما يتعلق بالجهود متعددة الأطراف، كان التقدم في المفاوضات في منظمة التجارة العالمية بطيئا، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنه لكل دولة أولوياتها الخاصة في المفاوضات، بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض البلدان لديها مخاوف جدية، وحتى عدم ثقة، بشأن الأمن السيبراني، مما يمنعها من تقديم التزامات واسعة بشأن تدفق البيانات مع بعضها بعضا، والولايات المتحدة والصين هما المثال الرئيسي لهذا التوتر.

التجارة الرقمية وتدفق المعلومات الرقمية هائلان بالفعل، ومن المؤكد أنهما سيبرزان أكثر في المستقبل، ومن أجل إدارة الصراع التجاري في هذا المجال، يجب تطوير قواعد متعددة الأطراف، تكون واضحة ومفهومة جيدا، كلما تقدمت العملية بشكل أسرع، كان هناك إطار عمل مفيد لتوجيه الشركات والحكومات.

المصدر : ناشونال إنترست