معركة نقص الحاويات.. أزمة الشحن التي تهدد أسعار الغذاء عالمياً

معركة نقص الحاويات.. أزمة الشحن التي تهدد أسعار الغذاء عالمياً
أصبح شحن الحاويات الفارغة إلى الصين مربحاً للغاية، لدرجة أن بعض شركات شحن فول الصويا الأمريكي أصبحت تخوض معاركَ للحصول على الحاويات لتوريد السلعة للمشترين الجائعين في آسيا.

تتكدَّس الموادُ الغذائية في المناطق الخاطئة تماماً بسبب شركات الشحن التي تنقل حاويات فارغة، وتعني المنافسة العالمية على “حاويات الصُلبِ المضلَّع” أن تايلاند لا تستطيع شحن أُرزها، وأن البازلاء سَتظلُ عالقةً في كندا، وأن الهند لن تتمكن من تحميل جبال السكر لديها.

ويقول ستيف كرانيغ، مدير اللوجستيات في “آي إم-إي إكس غلوبال إنك” وهي شركة شحن تنقل شُحناتٍ مثل الأرز والموز والزلابية من آسيا إلى الولايات المتحدة: “الناس لا تحصل على البضائع حيث يريدونها.. ويشحن أحد عملائي 8 إلى 10 حاويات أرز كل أسبوع من تايلاند إلى لوس أنجلوس، ولكنه لا يستطيع الآن سوى شحن 2 إلى 3 حاويات أسبوعياً”.

الصين وراء الأزمة
وتكمن المشكلة الرئيسية في أن الصين، التي تعافت أسرع من وباء كوفيد 19، قد أنعشت اقتصادها القائم على التصدير، وتدفع علاوات ضخمة مقابل الحاويات، ما يجعل إرسالها فارغة مجدداً للصين مربحاً أكثر بكثير من تعبئتها.

وهناك علامات على أن أسعار الشحن المرتفعة تزيد تكلفة بعض المواد الغذائية، وارتفعت أسعار السكر الأبيض ثلاثة أضعاف الشهر الماضي، كما أن تأخر شُحنات فول الصويا الغذائي من الولايات المتحدة قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف “التوفو” وحليب الصويا للمستهلكين في آسيا، وفقاً لما قاله إريك وينبرج، المدير التنفيذي لشركة “سبيشيالتي صويا آند غرينز أليانس”.

حاويات شحن بجانب رافعات جسرية في ميناء يانغ شان ديبووتر في شنغهاي في الصين يوم الاثنين 11 يناير 2021. وكان الرئيس دونالد ترامب نشر تغريدته الشهيرة “الحروب التجارية جيدة وسهلة الفوز” في 2018 عندما بدأ فرض تعريفات على حوالي 360 مليار دولار من الواردات من الصين، وتبين أنه كان مخطئا في حساباته.
حاويات شحن بجانب رافعات جسرية في ميناء يانغ شان ديبووتر في شنغهاي في الصين يوم الاثنين 11 يناير 2021. وكان الرئيس دونالد ترامب نشر تغريدته الشهيرة “الحروب التجارية جيدة وسهلة الفوز” في 2018 عندما بدأ فرض تعريفات على حوالي 360 مليار دولار من الواردات من الصين، وتبين أنه كان مخطئا في حساباته.

تكاليف الغذاء
ورغم أن عودة الحاويات فارغة بعد رحلتها ليست أمراً غريباً، فقد كانت شركات الشحن عادة تحاول تعبئتها للاستفادة من أسعار الشحن في الاتجاهين، ولكن تكلفة حمل البضائع من الصين إلى الولايات المتحدة أعلى 10 مرات تقريباً من الرحلة المعاكسة، ما يجعل شركات الشحن تفضل إعادة الصناديق فارغة بدلاً من تعبئتها، وفقاً لمنصة بيانات الشحن “فرايتوس”(Freightos).

وفي ميناء لوس أنجلوس، أكبر ميناء في الولايات المتحدة لشحنات الحاويات، تعود ثلاثة من كل أربعة صناديق إلى آسيا فارعة، مقارنة مع المعدَّل الطبيعي الذي كان يبلغ 50%، وفقاً لجين سيروكا، مدير الميناء التنفيذي.

وفي فانكوفر، تظل الحاويات في ساحات الميناء، ويقول جوردان أتكينز، نائب مدير مجموعة “دبليو تي سي”، إن الأرصفة قللت وقت نقل الحاويات الممتلئة إلى السفن من ثلاثة أيام إلى أقل من سبع ساعات.

وقال أتكينز: “إنه من المستحيل أن نتمكن في هذا الوقت الضيق من تحميل كل البضائع الموجودة في فانكوفر”، وأضاف أن البقوليات تكافح بشكل عام للصعود على السفن، مشيراً إلى محاصيل مثل البازلاء والعدس، والتي تعد كندا ثاني أكبر منتج لها في العالم.

وقال رافي جوبتا، رئيس شركة “شري رينوكا شوجرز” (Shree Renuka Sugars Ltd)، أكبر منتج للسكر في الهند: إن الدولة، التي تعد ثاني أكبر منتج للسكر في العالم، صدرت 70 ألف طن متري فقط في يناير، أي أقل من خُمس الكمية المشحونة العام السابق.

وقال لي تيان هانغ، المدير التنفيذي لشركة “سيمكسو داك لاك”، ثاني أكبر شركة تصدير في فيتنام: إن الدولة، التي تعد أكبر منتج لحبوب القهوة المستخدمة في صناعة المشروبات الفورية والإسبرسو، تعاني للتصدير، وانخفضت الشحنات بأكثر من 20% في نوفمبر وديسمبر.

ويقول المتداولون: إن مشتري المواد الغذائية حول العالم ينتظرون، بينما أوقف آخرون مشترياتهم تماماً.

سفينة شحن الحاويات “ايفر غفرن” التي تشغلها شركة “ايفرغرين مارين” تبحر بحمولتها في ميناء هامبورغ الألماني في 12 يناير 2021
سفينة شحن الحاويات “ايفر غفرن” التي تشغلها شركة “ايفرغرين مارين” تبحر بحمولتها في ميناء هامبورغ الألماني في 12 يناير 2021

“نقصٌ في كل شيء”
وقال كرانيغ: إن الأمر يسير على هذا النحو منذ ديسمبر، موضحاً أن النقص لم يطال فقط المواد الغذائية وإنما كل شيء.

وأضاف: “لن أندهش إذا سمعت عن تضاعف أسعار الشحن على أصحاب البضائع خلال موسم شحن 2021-2022 عن مستويات السنوات الماضية”.

وإذا تحقق هذا التوقع، فبمجرد أن يتم تطعيم أغلب سكان أمريكا الشمالية وأوروبا، فإن بعضاً من الارتفاع في أسعار الشحن سيُمَررُ إليهم مع عودتهم إلى المقاهي والمطاعم والمكاتب.

وتأتي أزمة الحاويات في الوقت الذي تحاول فيه شركات الشحن الأمريكية تعزيز صادراتها من كل شيء بدءاً من فول الصويا إلى وجبات الحبوب إلى آسيا. وتشتري الصين المحاصيل الأمريكية بكميات كبيرة، لإطعام قطيعٍ من الخنازير يتعافى من مرض مميت أسرع من التوقعات، ويعد الوضع سيئاً للغاية لدرجة أن بعض المشترين يلغون عقودهم ويتجهون إلى طرق الشحن السائب (غير المعبأ) الأكثر شيوعاً في منتجات الأعلاف، أو يؤجلون المشتريات لتجنب تكاليف الشحن العالية.

وقال دوغ غرينان، نائب رئيس الحبوب والبذور الزيتية في “سكولار كو”، شركة الشحن الأمريكية القائمة منذ قرن من الزمن وأكبر شاحنة للبضائع الزراعية في حاويات: “نرى حالياً أن بعض أكبر المشترين على مدار سنوات لحاويات فول الصويا في آسيا يفضلون التوريد السائب.. وبالتأكيد مثلنا مثل الآخرين، شهدنا إلغاء بعض الحجوزات”.

وقال أرنو بيتيت، المدير التنفيذي لمجلس الحبوب العالمي في لندن: إنه لا يرجح حدوث ارتفاع عالمي كبير في تكاليف الغذاء، لأن حصة صغيرة فقط من الحبوب والبذور الزيتية يتم شحنها في حاويات، ويتم شحن البقية عبر الشحن السائب.

ومن غير الواضح كذلك، كم من تكاليف الشحن ستتمكن الشركات من تمريرها للمستهلكين نظراً للركود الاقتصادي الناتج عن فيروس كورونا.

قالت شركة “هاباغ لويد” العام الماضي للعملاء: إنها علَّقت شحن المنتجات الزراعية من أمريكا الشمالية عبر الحاويات لإعادة توجيه الحاويات الفارغة إلى آسيا.

وقال نيكو هيكر، المدير العالمي للوجستيات الحاويات في شركة الشحن البحري الألمانية، في نوفمبر: إن الشركة شهدت أقوى طلب على الحاويات سعة 40 قدماً بعد واحدٍ من أكبر الانخفاضات في الطلب على الإطلاق.

كما قلل الوباء تدفقات الحاويات المثلجة، وتتراكم الصناديق في الموانئ الصينية، حيث يتعين على العمال الالتزام بتدابير اختبارات كوفيد الصارمة، وكذلك تطهير اللحوم والمأكولات البحرية بعد إلقاء اللوم على واردات الأطعمة المجمدة في انتشار الفيروس، ويوجد الكثير من الحاويات الباردة في ميناء داليان، لدرجة أن مقابس الطاقة اللازمة لبقائهم مبردين أوشكت على النفاد.

ومع تراجع الواردات، قفزت أسعار لحوم الخنازير في الصين، أكبر مستهلك في العالم، إلى أعلى مستوى منذ سبتمبر، وهو ما دفع الحكومة لتعزيز المبيعات من احتياطي لحوم الخنازير في الدولة لمقابلة الطلب المرتفع قبيل عطلة العام القمري الجديد.

ويؤدي نقص العمالة في الموانئ بسبب انتشار فيروس كورونا إلى إبطاء العمليات ما يفاقم مشكلة نقص الحاويات، وعززت الاضطرابات في الأرجنتين كذلك الطلب الآسيوي على المنتجات الزراعية الأمريكية، ما يرفع أكثر التنافس على الحاويات.

ويقول غرينان: “الأمر أشبه قليلاً بعاصفة مثالية .. لدينا طلب مكبوت في آسيا على المنتجات الزراعية، وفي نفس الوقت لدينا طلباً كبيراً على البضائع الاستهلاكية في الولايات المتحدة، وعندما تضيف ذلك على مشكلات نقص العمالة، تتكون الندرة الفعلية التي نراها اليوم”.