تطبيع سوداني مع إسرائيل أم تعاون أمني؟

طارق الشيخ

ضبطت السلطات السودانية، في منتصف الثمانينيات، شابا سودانيا، اتهم بالتخابر لصالح إسرائيل، وأودعته سجن كوبر في الخرطوم، وكان هذا قد نجح في العمل داخل مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الخرطوم بصفة عامل نظافة. تصادف أنه أودع زنازين السجن معية سياسيين ومحامين اعتقلهم أمن الرئيس جعفر النميري. وقد حكى لي المحامي مصطفى عبد القادر سكرتير نقابة المحامين وقتها، تفاصيل قصة ذلك الشاب، كما رواها بنفسه. ما يهم منها هنا في هذه المقالة أنه، حينما أكمل تدريبه على أيدي خبراء “الموساد” في تركيا وإسرائيل، أعادوه إلى الخرطوم لمباشرة مهامه، وكان في استقباله، وعلى سلّم الطائرة التي أقلته من إسطنبول، عميد في الجيش السوداني، حضر بسيارة للقوات المسلحة. فلما سأله المحامون في كوبر ما إذا كان يستطيع التعرف على هذا الشخص الذي وصفه وعرفه شكلا، من دون أن يعرف له اسما، أكد أنه يمكنه أن يدلهم عليه متى رآه. وكان هذا الاتفاق الذي تم بينه ورفقاء السجن. ثم جاءت الانتفاضة الشعبية التي أطاحت النميري، واقتحمت الجماهير السجن لإخراج المعتقلين، فتسرب ذلك الشاب واختفى عن الأنظار، ولم يترك خلفه سوى غفلة كبرى وطلاسم.

عودة إلى موضوعة التطبيع، وهو خليجيا يلبي طموحا لإسرائيل أن تكون جارة لإيران، تقف عند أقرب نقطة لها من الأراضي الإيرانية. وسودانيا هو بلوغ التفاصيل الدقيقة المحيطة بصناعة السلاح في السودان وارتباطه بإيران، ورصد شامل لكل العناصر الفلسطينية في السودان، فمبتغى إسرائيل من السودان هو الوصول إلى هذه العناصر، والتي تموضعت هناك منذ الخروج من بيروت عام 1982، ووضع نهاية لصراع مسلح منسي على ضفاف البحر الأحمر.

وافقت إسرائيل على إعداد لاجئي العمل مهنياً، من خلال مشروع إسرائيلي في السودان لهذا الغرض. وهذا اختراق إسرائيلي مهم، يمكن أن يزيد من قوة وجودها الفعلي في الشارع

ويتّضح من تسلسل الزيارات للوفود الاسرائيلية إلى الخرطوم أن ما حققته من نجاحات في الخرطوم قد فاق التوقعات، وبدرجةٍ جعلت من المهم أن يصل إلى الخرطوم وفد رفيع المستوى، بقيادة وزير الاستخبارات، إيلي كوهين، في بادرة شكر للمسؤولين السودانيين على حسن تعاونهم. ولأسباب أمنية، كان من الواضح أن الزيارة تنتهي بعودة الوفد مباشرة، غير أنه أمضى ليلته في فندق للقوات المسلحة السودانية. ولافت للنظر أيضا أن زيارات الوفود الاستخبارية الإسرائيلية كانت تركز على مصانع السلاح في السودان، وتجري لقاءات لم تخرج عن الثلاثي، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ونائبه في المجلس، محمد حمدان دقلو (حميدتي) ووزير الدفاع ياسين إبراهيم.

سودانيا، تلاحظ السرية والكتمان والحرص على عدم تسرب أي معلومات عن المحادثات الأمنية مع الوفود الإسرائيلية، فلا مجلس السيادة أفصح عما يجري، ولا الحكومة فعلت أكثر من تهرّب رئيسها، عبدالله حمدوك، من إعطاء إجابة شافية في الأمر، وتركها معلقة إلى حين اختيار مجلس تشريعي جديد. ولذا يبقى المصدر الوحيد للمعلومات تصريحات المسؤولين الإسرائيليين وانطباعاتهم الشخصية.

ويبدو أن إسرائيل تحصل، وفي سهولة أكثر مما توقعت، على ما تريد من معلومات، كما جاء على لسان كوهين: “وصلنا إلى الخرطوم تسيطر علينا مخاوف وعدنا راضين تماماً، فقد تحول الأعداء إلى أصدقاء، فمن المهم أن السودانيين معنيون وبمبادرتهم، بتطوير التطبيع مع إسرائيل”. يقول لصحيفة “يسرائيل هيوم”: “هذه ليست مجرد زيارة، إنها لحظة تاريخية، بعد 72 عاماً على تأسيس الدولة، أنا كنت المسؤول الأول الذي يصل إلى الدولة التي أعلنت فيها اللاءات الثلاث، وشاركت في الحروب ضدنا”. وتسجل الصحيفة كيف “أن الوفد الذي ضمّ عشرة من كبار المسؤولين في ديوان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ومجلس الأمن القومي، قد استقبل بحفاوة بالغة في الخرطوم”. وتتوقف عند كيف أن البرهان قد عانق كوهين بحرارة، مشيدة بدور البرهان “الحاسم” في الدفع نحو التطبيع مع إسرائيل.

تعمل إسرائيل على بلوغ التفاصيل الدقيقة لصناعة السلاح في السودان وارتباطه بإيران، ورصد كل العناصر الفلسطينية في السودان

ما لم تبح به الخرطوم لخّصه بدقة كوهين إذ يقول: “اعتدنا على أن تكون إسرائيل هي التي تبادر وتحث على تنظيم مثل هذه الزيارات، لكننا فوجئنا، وهذا من دواعي سعادتنا، أنهم (السودانيون) معنيون بتطوير العلاقة وفي كل المجالات”. و”اتفقنا مع المسؤولين السودانيين على إعادة لاجئي العمل السودانيين في إسرائيل إلى السودان”. وهذه النقطة الثانية غاية في الأهمية، إلى درجة اعتبرها كوهين أهم ما توصل إليه في الخرطوم، وهي الاتفاق مع الخرطوم على إعادة ستة آلاف من لاجئي العمل السودانيين. وأوضح أن عبد الفتاح البرهان “وافق على الفور، وأن يتم تعديل القانون لتسهيل عودتهم بأسرع وقت ممكن، مرجّحاً أن عوائد اقتصادية ستعود على السودان، جرّاء الموافقة على استقبال اللاجئين”. ليس هذا فحسب، إذ قال كوهين إن إسرائيل وافقت على إعداد لاجئي العمل مهنياً، من خلال مشروع إسرائيلي في السودان لهذا الغرض. وهذا اختراق إسرائيلي مهم، يمكن أن يزيد من قوة وجودها الفعلي في الشارع، وبالمفتوح في السودان.

وإلى اللحظة، يتعلق الأمر بقضايا أمنية وعسكرية استراتيجية بالنسبة لإسرائيل، بدرجةٍ جعلت مقابلها كبيرا، كرفع اسم السودان عن الدول الراعية للإرهاب، وإعادته إلى الحظيرة الدولية من بوابة هذا السخاء الاستخباري، المتحقق بالمعلومات الخاصة بعلاقة إيران بمصانع السلاح في السودان، وإغلاق القنوات التي ينقل عبرها السلاح إلى المقاومة الفلسطينية في حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وتسلمهم ملفات الوجود الفلسطيني في السودان، وبتفاصيله المدنية والعسكرية. ولذا، يتوقع أن تعلن إسرائيل متى ما تثبتت، وبلغت مبتغاها، عن انتصار كبير يملأ الدنيا ضجيجا بشأن الملفين الإيراني والفلسطيني في السودان. وقتها إن شاءت حكومة السودان المضي في مخازيها في التطبيع مع إسرائيل، أو قرّر المجلس التشريعي وقفه، فإن المهمة الإسرائيلية تكون قد أنجزت.