أيهما سينتصر التعليم الإلكتروني أم المدارس؟ إليك ما يقوله الخبراء عن شكل التعليم أثناء الجائحة وبعدها

هل يصبح التعليم الإلكتروني بديلاً للمدارس في ظل جائحة كورونا وما بعدها، أم أنه لا غنى عن المدارس، أم سيصبح التعليم خليطاً بين الاثنين.

الإجابة ليست سهلة، ولكن سيذكر التاريخ على الأرجح كيف كان معلمو بريطانيا أكثر جاهزية لكوفيد-19 عن وزراء الحكومة عبر تنظيمهم السريع لعملية التعليم الإلكتروني، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.

فمع ارتفاع أعداد الحالات في أوروبا، أغلقت 14 مدرسة إنجليزية أبوابها بالفعل بحلول نهاية فبراير/شباط عام 2020. وحين بدأ كبار العاملين في مدرسة بارهام الابتدائية وضع خطط الطوارئ، في الـ26 من فبراير/شباط، أدركوا أنّهم بحاجةٍ إلى زيادة استخدامهم للتقنيات الرقمية.

وقرّروا حينها تحميل عملهم يومياً على منصة ClassDojo، وهو تطبيق شهير كانوا يستخدمونه بالفعل للتواصل مع الآباء، لكن المشكلة مع بعض الآباء، الذين لا يتحدث الكثير منهم الإنجليزية كلغةٍ أولى، كانت أنّهم لا يستخدمون التطبيق. وحين أُعلِنَ بعد ثلاثة أسابيع أنّ مدارس المملكة المتحدة ستُغلق أمام غالبية الطلاب قبلها بيومين فقط، بدأ العاملون في المدرسة، وخاصةً الناطقين باللغة الكجراتية والتاميلية والهندية، استخدامَ الأجهزة الرقمية في متناول يدهم، لمساعدة الآباء على التواصل بشكلٍ أفضل.

وكان ضمان قدرتهم على توزيع العمل عن بُعد من أوائل التحديات العديدة التي واجهها المعلمون في بارهام، بالتزامن مع اتجاههم نحو الاعتماد الأكبر على تقنيات التعليم استجابةً لكوفيد-19.

ولم يكونوا بمفردهم بالطبع، فبحلول أبريل/نيسان، كانت الجائحة قد أجبرت نحو 1.6 مليار طفل وتلميذ على ترك المدارس والجامعات حول العالم، وهو ما وضع العديد من المدرسين في مواجهة منحنى تعليمي حاد يجبرهم على التوجه لتقنيات التعليم الحديثة. والآن، بعد أن أغلقت مدارس المملكة المتحدة أبوابها أمام غالبية الطلاب مرةً أخرى، في الخامس من يناير/كانون الثاني، عاد المدرسون إلى تقديم غالبية دروسهم عن بُعد.

التعليم الإلكتروني بديلاً للمدارس حلم للبعض وكابوس لآخرين

وبالنسبة للبعض، تُعتبر هذه هي طفرة تقنيات التعليم التي طال انتظارها عبر آليات التعليم الإلكتروني الجديدة.

إذ وصف أندرياس شلايشر، رئيس قسم التعليم في منظمة Organisation for Economic Co-operation and Development، الجائحة بأنّها خلقت “لحظةً رائعة” للتعليم. وفي مايو/أيار، تساءل حاكم نيويورك أندرو كومو علناً عن سبب استمرار وجود الفصول الدراسية المادية من الأساس، بالتزامن مع إعلانه أنّ الرئيس التنفيذي السابق لجوجل إريك شميت وبيل غيتس سيساعدان في إعادة التفكير بشأن التعليم داخل الولاية.

لكن المشككين يحذرون من أنّ “الفجوة الرقمية” تزيد اتساع فجوات التحصيل القائمة وعدم المساواة التي يواجهها الأطفال الأقل حظاً. بينما يقول آخرون إنّ المدارس ليست مجهزةً لحماية بيانات التلاميذ، وأنّ الدور المتزايد للمصالح التجارية في كل من التعليم الحكومي وعبر سوق التقنيات التعليمية المزدهر للمستهلكين يرقى إلى الخصخصة المتخفية.

تجربة المملكة المتحدة

وفي نهاية مارس/آذار، ومع إشعارٍ قصير قبل الإغلاق، تحوّلت غالبية مدارس المملكة المتحدة إلى التعليم الإلكتروني عبر الأدوات الرقمية القائمة لمساعدة التلاميذ على مواصلة التعلم. وهذا يعني بالنسبة للبعض ببساطة تحميل روابط أوراق العمل على مواقع المدارس، بينما قدّم آخرون دروساً مباشرة عبر مؤتمرات الفيديو (الفيديوكونفرانس)، ولم يمضِ الكثير من الوقت قبل أن تظهر المشكلات.

إذ قال أليكساندر، الذي يدرس التلاميذ في الصف الرابع بمدرسة بارهام الربيع الماضي: “كنا نضع أعمالنا على ClassDojo، لكن الأطفال لم يتمكّنوا من إعادة إرسال العمل مرةً أخرى، ولذا لم يحصلوا على أي تعليقات عليها”.

وفي الصيف، بدأت المدرسة التحوّل إلى استخدام منصة Google Classroom بصفتها أداةً أكثر تفاعلية للتعليم عن بُعد، وإعداد دروس وجهاً لوجه عبر Google Meet لمن لا يستطيعون العودة إلى المدارس أو عزلوا أنفسهم. وقبل كوفيد، كان جوجل قد هيمن بالفعل على العديد من المدارس عن طريق أدواته المجانية وقليلة التكلفة من التقنيات التعليمية. وخلال الشهر الأول من الجائحة، تضاعفت أعداد المستخدمين النشطين لـGoogle Classroom إلى 100 مليون مستخدم تقريباً.

وقد ساعدت الحكومة البريطانية في تسهيل توسع الشركات التقنية الكبرى في مجال التعليم. ففي أبريل/نيسان، أعلنت خطةً لتوفير الدعم التقني والتدريب المجاني لأدوات التعليم الرقمي من جوجل ومايكروسوفت. وتقدّمت أكثر من 6500 مدرسة ابتدائية وثانوية في إنجلترا -أي أكثر من ربع الإجمالي- للمشاركة في الخطة.

ومنذ ذلك الحين، جرى إنشاء نحو 2.4 مليون حساب جديد على المنصتين. وفي أبريل/نيسان، تبرّعت جوجل بـ4 آلاف جهاز كروم بوك و10 آلاف نقطة اتصال بالإنترنت عبر الواي فاي للتلاميذ في المناطق الريفية بكاليفورنيا للتعليم المنزلي.

شركات التقنية تستغل الأزمة

بينما يقول النقاد مثل الكاتبة نعومي كلاين إنّ شركات التقنية العملاقة سارعت لاعتبار كوفيد-19 فرصةً لتسريع طموحاتها في التعليم عبر العمل على نشر أدوات التعليم الإلكتروني.

ففي يونيو/حزيران مثلاً، نشرت مايكروسوفت ورقةً بحثية بعنوان “إعادة تخيل التعليم Education Reimagined”.

واستهلت الشركة قائلة: “لقد تضافرت تداعيات كوفيد-19 مع التقدم المستمر في التقنيات الرقمية، وتكثيف الطلب المتزايد على تعليمٍ متمحور حول الطالب لتقديم فرصة غير مسبوقة لإحداث تحوّل في التعليم عبر أنظمةٍ كاملة”.

كيف سيكون وضع التعليم بعد الجائحة؟

لكن هل ستواصل المدارس نهجها المدعوم رقمياً في أعقاب الجائحة؟ يعتقد المستثمرون ذلك بالتأكيد. إذ تضاعف الاستثمار العالمي المُخاطر في تقنيات التعليم من 7 مليارات عام 2019 إلى 16 مليار دولار في عام 2020، وفقاً لشركة الاستشارات السوقية HolonIQ.

كما يعتقد آخرون أنّ التحوّل إلى شكل من أشكال التعليم الإلكتروني سيكون دائماً.

إذ قالت هانا أوين، من مؤسسة Nesta للابتكار: “لقد منح كوفيد المدارس دفعةً لتبنّي ونشر واستخدام المزيد من وظائف أدوات تقنيات التعليم. ومن المرجح والمثالي أن ننتقل إلى النماذج المختلطة من المنصات الرقمية عن بُعد، التي تدعم الفصول التعليمية التقليدية، وتُسهم في تقليل أعباء المدرسين”.

من هم الطلاب الأكثر استفادة من التعليم الإلكتروني

يشعر العديد من مديري المدارس بالقلق من أنّ زيادة التعليم القائم على التقنية قد تزيد الأفضلية النسبية التي يتمتّع بها التلاميذ الأكثر ثراءً. إذ وجد بحث أجرته Sutton Trust مثلاً أنّ 30% من طلاب الطبقة المتوسطة يدخلون حصةً مسجلة أو على الهواء مباشرةً عبر الإنترنت مرةً واحدة في كل يومٍ دراسي، مقارنةً بـ16% فقط بين طلاب الطبقة العاملة. وطلاب المدارس الخاصة يميلون لفعل ذلك بنسبة الضعف أكثر من طلاب المدارس الحكومية.

ويُقدّم مدرسو بارهام حزم تعلُّمٍ منزلي ورقية لثلاثة أو أربعة طلاب في كل صف، ممن لا يمتلكون وصولاً إلى الأدوات الرقمية اللازمة مما يعرق قدرتهم على الاستفادة من التعليم الإلكتروني .

إذ قالت كارين جايلز، المعلمة في بارهام: “يمتلك غالبية الأطفال التقنيات اللازمة بصورةٍ أو بأخرى، لكن هذه التقنية قد تتمثّل في استخدام هاتف والدهم قبل الذهاب إلى العمل، أو شاشة التلفزيون في غرفة المعيشة. والافتقار إلى الإنصاف في هذا الوضع يعني أنّ الأطفال الذين لا يمتلكون تلك التقنيات يُعانون حرماناً أكبر، والأطفال ذوو المزايا يمتلكون أفضليةً أكبر، وأنا عازمةٌ على تقليص هذه الفجوة”.

والفجوة الرقمية لا تتعلّق فقط بالتلاميذ الذين يمتلكون الأجهزة، إذ إنّ خطر التخلّف عن الركب يُواجه أيضاً الأطفال الذين لا يمتلك آباؤهم المهارات أو الوقت الكافيين لاستخدام منصات الإنترنت، واستكشاف الأخطاء وإصلاحها عند الحاجة.

وتقول أودري ووترز، الصحفية الأمريكية: “المدرسون بارعون للغاية في النظر إلى الفصل الدراسي سريعاً وتحديد هوية من فهم الدرس ومن لا تزال لديه أسئلة. لكن ذلك يصير أصعب كثيراً في برامج مؤتمرات الفيديو والتعليم عبر الإنترنت”.

كيف تطور أساليب تقييم الطلاب رقمياً؟

لكن آخرين يعتقدون أنّ المدرسين يستطيعون استخدام الأدوات الرقمية عبر التعليم الإلكتروني لتحديد من يحتاج المساعدة أكثر بطريقة أفضل التعليم الإلكتروني.

إذ قال شلايشر: “عند استخدامها بالشكل الصحيح، يمكن لتحليلات التعليم والبيانات الضخمة أن تساعد المدرسين في النظر إلى التلاميذ بعين جديدة من ناحية الاختلافات في طرق التعلّم، والتفاعل معهم بطريق مختلفة”.

وفي الوقت ذاته، كان هناك نموٌّ هائل في سوق التعليم الرقمي للمستهلكين إبان الجائحة، وتجلّى ذلك في “تسويق وخصخصة التعليم ضمن سياق كوفيد-19″، وفقاً لتقريرٍ نشرته منظمة Education International في يوليو/تموز.

ورغم تعرّض التقنيات الرقمية للعديد من الانتقادات، فإن العديدين يسلطون الضوء على مزاياها المحتملة. وبوكي يوسف مثلاً هي مدرسةٌ بارزة في مدرسة إيديث كاي الثانوية المستقلة بمنطقة برينت شمال لندن، وهي متخصصة في توفير الاحتياجات التعليمية الخاصة. وكانت تشعر بالقلق إزاء التحول إلى تقنيات تعليمية أكبر بسبب ازدهار العديد من تلاميذها عبر المشاركة النشطة والمباشرة.

لكن بوكي فوجئت أنّ الأمر ساعد التلاميذ على التفاعل بشكلٍ أفضل، والسيطرة أكثر على عملية التعلم، والعمل بطرق تناسب احتياجاتهم. وقالت: “لقد ساعد ترتيب التعليم الافتراضي على تقليل مخاوف البعض، لأنّهم امتلكوا خيارات تتعلّق بتوقيت وكيفية التفاعل عبر الفيديو، أو الصوت، أو الدردشة”.

وبعد تنظيم جلسات التدريب الرقمي الخاصة بهم، يقول معلمو براهام إنّهم يشعرون الآن بجاهزيةٍ أكبر للتعليم عن بُعد. إذ وجد أولئك الأساتذة أنّ الجمع بين الفصول الدراسية التقليدية والتعليم عبر الإنترنت يزيد تفاعل الآباء، ويُعزّز مهارات الحاسوب لدى التلاميذ، ويُحسّن مراقبة معايير التدريس. وقال أليكساندر: “لقد تغيّرت الأمور تماماً، إذ ظهرت فوائد التعليم المختلط للمدرسين والأطفال على حدٍّ سواء.

فأحياناً نُصادف طفلاً على Google Classroom يقول إنّه ليس متأكّداً من كيفية حل مسألةٍ ما، فتجد سيلاً من زملائه الأطفال يقترحون الحلول التي جربها. وبعد خمس دقائق يدخل المدرس ليجد الأطفال قد انتهوا من حل كل المشكلات بأنفسهم”.

وبالنسبة لمن أعربوا عن مخاوفهم، فهم يُؤكّدون أنّهم ليسوا ضد استخدام الأدوات الرقمية في حد ذاتها، ولكنهم يتساءلون عن أصحاب المصالح المالية في تقنيات التعليم، ودورهم المتزايد في تحديد كيفية استخدام تلك الأدوات وتغيير طريقة إدارة المدارس.

إذ تقول أودري: “يمتلك مليارديرات الشركات التقنية الكبرى تأثيراً كبيراً على تغيير سياسة التعليم. وتدفع بعض تلك الشركات ضرائب قليلة للغاية، ومسؤوليتهم الآن هي البدء في الإسهام الضريبي بشكل متناسب، وليس تقديم أجهزة كروم بوك مجانية. نحتاج لأن تصير المدارس متعلقةً باحتياجات العامة وليس بما تريده شركات التقنيات التعليمية”.

المصدر : عربي بوست