الحريّة كمفهوم سياسي متلوّن.. فرنسا نموذجا

بقلم : علي حسين باكير

تعتقد الدول الغربية بشكل عام أنّها تمتلك تفوّقاً أخلاقياً يخوّلها النظر إلى الآخرين بنظرة دونيّة وباستعلاء محمّل بحمولات مختلفة ومثقل بالموروث من التاريخ والصراع الحضاري مع “الآخر” وإن أنكروا ذلك. وتنال الولايات المتّحدة عادةً نصيب الأسد عند الحديث عن هذا الانطباع نظراً لكونها القوّة الأعظم في العالم، إلاّ انّ الغالب أنّ الأمريكيين طارئين على هذا السلوك، وذلك بخلاف الأوروبيّين الذي يترسّخ لديهم هذا السلوك بشكل كبير. 
 
منظومة الاستعلاء والفوقية

وحتى لا نبقى في إطار التعميم الذي قد لا يُنصف البعض، فإن بالإمكان النظر إلى النموذج الفرنسي كتعبير متطرّف عن هذا النموذج. منظومة الاستعلاء والفوقيّة والشعور بالتفوّق الأخلاقي تظهر بشكل واضح عند الحديث عن الحريات، وعند اعتماد معايير مزدوجة لتقييم نفس الحالات أو الممارسات أو السلوك الذي تتّبعه دولة ما غير محسوبة على الفلك الغربي، أو عند التعامل مع مسائل الأقليّات على وجه الخصوص. 

خلال الشهر الماضي، أطلق الرئيس الفرنسي تصريحات عدائية ضد الإسلام كدين وليس حتى ضد المسلمين، ما أثار موجة من ردود الفعل وحالات العنف. هناك من يقول إنّ دوافع الرئيس الفرنسي ترتبط بالانتخابات المقبلة، وإنّ مهاجمة المسلمين تعتبر أمراً روتينياً في أوروبا لحصد أصوات المتطرّفين اليمينيين، في وقت يشهد فيه هذا التيار بما في ذلك الأيديولوجيات الفاشية والنازية صعوداً غير مسبوق في أوروبا لأوّل مرة منذ الحرب العالمية الثانية. 

في المقابل، يرى آخرون أنّ السلوك الفرنسي العدائي للإسلام متجذّر في النموذج العلماني المتطرّف الذي يرقى وفق هؤلاء إلى مرتبة الدين المقدّس مع فارق أنّه يخلو من أي أطر أخلاقية من المفترض لأي دين أن يتضمنها. الرئيس الفرنسي ومعه وزير الداخلية المتأثّر بالتطرف اليميني السائد برّرا التهجّم على الدين الإسلامي والمسلمين بقيم فرنسا الحرّة! 

المثير للسخرية أنّ هؤلاء يرفضون إلزام أنفسهم بما يلزمون الآخرين به. على سبيل المثال، دافع المسؤولون الفرنسيون عن رسوم كاريكاتورية للرسول صلى الله عليه وسلّم على اعتبار أنّ ذلك يدخل في سياق حرّية التعبير وأنّه من غير المفترض لأتباع الرسول أن يشعروا بالغضب أو الإهانة، لكن نفس المسؤولين ومعهم المسؤولون الغربيون والإعلام ومؤسسات لا حصر لها دانت انتقاد الرئيس التركي للرئيس الفرنسي عندما أشار إلى أنّه شخص غير سوي وبحاجة إلى فحص عقلي!
 
ازدواجية المواقف

الرئيس الفرنسي تحدّث كثيراً عن حريّة الرأي والتعبير، لكنّه وطاقمه ضغطوا حتى على صحف غربيّة كفايننشال تايمز وبوليتيكو لحذف مقالات تم نشرها فيها وتشير إلى أنّ سياسة ماكرون المعادية للمسلمين ستؤدي إلى تقويض فرنسا. لم يكتف الرئيس الفرنسي بذلك، بل قام بنشر نسخته الخاصة المليئة بالأخطاء والإسقاطات والأكاذيب عن المسلمين مكان المقال المحذوف، وهاجم وسائل الإعلام الغربية التي تقوم بتبني سياساته إزاء التعامل مع المسلمين لدرجة أنّ صحفا مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست انتقدته.

يجري الآن في فرنسا استنساخ نموذج مستمد من بعض الأنظمة العربية المستبدة التي تكتسب شرعيتها من الدعم و/أو الحماية الغربية لها (من دول كفرنسا) وذلك لصناعة أئمة ورجال دين مهرّجين ودجّالين وموالين للطبقة الحاكمة. سيجري إخضاع المجموعات الإسلامية المختلفة لميثاق يتم إعداده من قبل بعض المتطرفين كوزير الداخية ويجبرون هذه الجمعيات على التوقيع عليها تحت سيف تصنيفها كمنظمات غير شرعية أو إرهابية أو حتى ترحيل أعضائها وعائلاتهم خارج فرنسا وإن كانوا فرنسيين وذلك بحجة أنّهم موالون لدول أخرى!

إن مثل هذا السلوك القائم على صناعة دين تابع لشخص الحاكم يهدّد بتقويض المؤسسات الدينية الحقيقية واتجاه الشباب إلى التطرف بسبب عدم ثقتهم بالدين الذي يتم تصنيعه من السلطة الحاكمة وفقدان أئمة هذا الدين المُصنّع مصداقيتهم. بمعنى آخر، فإنّ هذا الجهد سيؤدي إلى نتائج عكسية. 

ستقوم فرنسا كذلك بسن قوانين تمنع نشر صور يمكن أن تستخدم كدليل على إساءة الشرطة أو الأجهزة الأمنية للأقليّة المسلمة أو لمن يدافعون عنهم. هناك توجه أيضاً بدأ يدخل حيّز التنفيذ لتجريم وفرض غرامة باهظة جداً على المسلم الذي يرفض قبول طبيبة تم اختيارها له رغماً عنه أو عند طبيب تمّ اختياره لها رغماً عنها، علما بأنّ مثل هذا الأمر ينتهك القوانين والأعراف الطبيّة التي تعطي أي مريض الحق في اختيار الطبيب أو الطبيبة التي يراها مناسبة.  
 
سيجري إخضاع المجموعات الإسلامية المختلفة لميثاق يتم إعداده من قبل بعض المتطرفين كوزير الداخية ويجبرون هذه الجمعيات على التوقيع عليها تحت سيف تصنيفها كمنظمات غير شرعية أو إرهابية أو حتى ترحيل أعضائها وعائلاتهم خارج فرنسا وإن كانوا فرنسيين وذلك بحجة أنّهم موالون لدول أخرى!
 

 
يستكثر الرئيس الفرنسي ومن على شاكلته من المسؤولين على الأقليّة المسلمة التي تتعرض لهجوم أن تدافع عن نفسها بمقال أو تصريح أو رأي، ويرفضون حتى حملة التضامن معها من خلال المقاطعة، لدرجة أنّهم استنكروا المقاطعة ووصفوا الداعين لها بالمتطرفين، مطالبين رؤساء هذه البلدان (الذين يتم تنصيبهم أو حمايتهم من الغرب) بضرورة الضغط على الناس لإيقاف هذه الحملة ووضع حدّ لها!

البعض يحاول الدفاع عن هذا السلوك الفرنسي بالقول إنّ طبيعة الفرنسيين معادية للدين بالمطلق وأنّهم لا يخصّون المسلمين، لكن فضلاً عن حقيقة أنّ مثل هذا الادعاء ينتهك حقوق الناس المتدينين والذين من المفترض أنّهم متساوون في الحقوق والواجبات، فإنّ نظرةً مقربّة على سلوك فرنسا الخارجي تؤكّد أنّ هذا الإفتراض غير صحيح، وإلا كيف يمكن تفسير دعم فرنسا للإرساليات المسيحية والمدارس المسيحية والجمعيات المسيحية في الدول الأخرى، ولماذا تلجأ فرنسا إلى تقديم المنظور الديني في رواياتها الرسمية عندما يتعلق الأمر بدول محسوبة على الغرب (كما جرى في المعركة الأخيرة بين أذربيجان وأرمينيا) أو في التعامل مع الأقليات في دول العالم الثالث.

الدول الغربية تعتقد دائما أنّها محصّنة وأنّه يجوز لها ما لا يجوز لغيرها وإن كانت تعمل بخلاف ما تبشّر به تماما. كيف يستقيم حديث فرنسا عن الحريات ودعمها لانقلاب عسكري في ليبيا أو علاقة ماكرون الحميمة مع أفظع الديكتاتوريات العربية أو دعمها للديكتاتوريات الإفريقية؟ على “الآخرين” أن لا يشعروا بالدونية أمام الاستعلاء الفرنسي عندما تستخدم الحريّة بما يناسب الأجندة السياسية، فحتى الأمس القريب كانوا لا يزالون يقطعون رؤوس المدنيين ويقيمون حديقة حيوان بشرية ويمارسون العنصرية والعبودية وينشرون أفكارا مدمّرة للبشرية كالنازية والفاشيّة ويتسببون في قتل ملايين البشر في حروبهم العالمية!