85 عاما على استشهاد القسام والصراع على فلسطين يطال ضريحه في حيفا

منذ استشهاد الشيخ المجاهد عز الدين القسام في مثل هذا الشهر عام 1935 ما زال الصراع على الديار الفلسطينية دائرا وبات يهدد حتى قطعة الأرض التي يدفن فيها في حيفا داخل أراضي 48.

بالتزامن مع ذكرى استشهاده من المنتظر أن تبدأ المحكمة الإسرائيلية العليا بالتداول في استئناف رفعه عشرات من فلسطينيي الداخل لحماية “مقبرة القسام” في بلدة بلد الشيخ المهجّرة المجاورة لمدينة حيفا وبناء مرافق تجارية على أنقاضها علما أن الصراع القضائي والشعبي متواصل عليها منذ عقدين ونيف وسبق أن تعرضت للانتهاك والاعتداءات المتكررة من قبل ناشطين يهود.

واستمرارًا لملف المقدسات الإسلامية، والمحاولات لمصادرة قسم من مقبرة القسام، عقدت المحكمة العليا جلسة استماع بخصوص الاستئناف المُقدّم من أهالي وأقرباء الموتى المدفونين في مقبرة القسام في بلد الشيخ.

ويأتي الاستئناف في أعقاب رفض المحكمة الإسرائيلية المركزية في حيفا قبول دعوى قضائية تقدم بها الأهالي لإبطال مصادرة وبيع المقبرة من قبل الدولة إلى شركة تجارية تنوي انتهاك حرمة المقبرة من خلال إقامة مبان ومستودعات على قسم منها ثبت وجود قبور فيه. وحضر الجلسة، في المحكمة العليا، مندوبون عن الأهالي وعن متولي وقف الاستقلال والجرينة في حيفا، وممثلو حركات وأحزاب وأعضاء كنيست عرب ونشطاء ومندوبون عن لجان شعبية.

الاحتجاج الشعبي

وأشار قاضي المحكمة المركزية الإسرائيلية خلال الجلسة إلى أنه يتفهم الحساسية الدينية للموضوع، ولكنه في السياق ذاته قال إنه يرى أن للاستئناف فرصة ضئيلة في تحقيق النجاح استنادًا إلى مرور عشرات السنوات على المصادرة والبيع. وقال إنّ الحديث يدور حول مصادرة تمت في السنوات الخمسين الماضية، وعقود بيع بمراحل مختلفة دون أي اعتراض حينها من قبل أمناء وقف الاستقلال.

ويوضح الملتمسون أن الحديث يدور عن أمناء وقف عينتهم السلطات الإسرائيلية غداة نكبة 1948 وفرضتهم الحكومة آنذاك في مرحلة الحكم العسكري تمهيدا للسيطرة على المقدسات والأوقاف الواسعة داخل أراضي 48. وبناءً على موقف الأهالي، قرر القاضي المذكور تحويل الاستئناف لهيئة من ثلاثة قضاة في المحكمة العليا وسيتم تعيين جلسة للتداول في القضية قريبا.

وفي تعقيبٍ منهم على تقييم القاضي الأولي، قال الناشط الأهلي جمال شعبان مركز عمل اللجنة الشعبية لحماية مقبرة القسام لـ”القدس العربي” إنه من المهم النظر في الادعاءات ورفض كل أشكال الصفقات المشبوهة على قبور الآباء والأجداد التي حيكت دون علم فلسطينيي الداخل واستشارتهم ومن خلف ظهورهم.

وردا على سؤال أضاف شعبان: “كنا رفضنا طلب قاضي المحكمة المركزية بإعادة النظر بقرار الاستئناف وسحبه. قررنا المضي في الملف حتى لو تم تغريمنا بكافة النفقات والإجراءات القضائية وتعويض الطرف المدعى عليه”. وشدد شعبان أنه على المستوى الشعبي تقوم لجنة متولي الأوقاف في حيفا من أجل تنظيم الصفوف والاستعداد لمرحلة ما بعد القرار أو الحكم القضائي في المحكمة العليا من خلال الضغط الجماهيري والسياسي لحماية المقبرة التاريخية المشحونة بدلالة رمزية ثمينة”.

يشار إلى أن الشيخ المجاهد عز الدين القسّام قد استشهد بالقرب من بلدة يعبد شمال الضفة الغربية في 19.11.1935 عمل حتى استشهاده إماما لمسجد الاستقلال وقاد أول كفاح فلسطيني منظم وساهم استشهاده في تفجير الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939).

ولد في جبلة السورية واستشهد في يعبد الفلسطينية وعمل إماما لمسجد الاستقلال

كما يشار إلى أن المجاهد عز الدين القسام سوري الأصل ولد في بلدة جبلة جنوب مدينة اللاذقية. والده عبد القادر قسام، والدته: حليمة قصّاب، أخوه فخر الدين، أخته نبيهة، أشقاؤه من أبيه: أحمد؛ مصطفى؛ كامل؛ شريف، زوجته: أمينة نعنوع؛ بناته: خديجة؛ عائشة؛ ميمنة، ابنه محمد.

وتلقى القسام دروسه الابتدائية في بلدته في كتّاب والده، سافر وهو في الرابعة عشرة إلى القاهرة، والتحق بالجامع الأزهر، وأخذ العلم من خير أئمته، ومنهم الشيخ المصلح محمد عبده. بعد نيله شهادة الأهلية، قفل عز الدين القسّام راجعاً إلى جبلة سنة 1903، حيث خلف والده في كتّابه يعلّم أصول الكتابة والقراءة وحفظ القرآن وبعض العلوم الحديثة. وتشرّب القسّام، خلال إقامته في مصر، أجواء الغليان الوطني ضد الاحتلال البريطاني، عقب فشل الثورة التي قادها الضابط في الجيش المصري أحمد عُرابي، وروح الدعوات الإصلاحية لحفظ الأمة بالاتحاد والاعتماد على النفس ومقاومة الاحتلال الأجنبي. ويستذكر المؤرخ دكتور جوني منصور أن الشيخ عز الدين القسّام تولّى إمامة المسجد المنصوري في جبلة، وغدا، بخطبه ودروسه وسلوكه، موضع احترام الناس، وامتدت شهرته وحسن سمعته إلى المناطق المجاورة.

مساندة الشعب الإيطالي

ردا على سؤال “القدس العربي” استذكر المؤرخ جوني منصور دعوة القسّام بعد هجوم إيطاليا على ليبيا سنة 1911 إلى نصرة الشعب العربي الليبي عن طريق التظاهر والتطوع للقتال إلى جانبه، ثم كان من أوائل من انضم إلى الثورة ضد الاحتلال الفرنسي في الساحل السوري ما بين سنة 1919- 1920، وتابع: “أبلى في قتالهم أحسن البلاء في الجبال المحيطة بقلعة صلاح الدين فوق اللاذقية، فأدرك الفرنسيون خطورته وحكموا عليه بالإعدام.

التجأ القسّام مع أسرته وبعض إخوانه إلى مدينة حيفا في أواخر سنة 1920، حيث عمل مدرّساً في مدرسة “البرج” الثانوية التي أنشأتها “الجمعية الإسلامية” المسؤولة عن إدارة الأوقاف الإسلامية في منطقة حيفا، ثم صار يعطي دروساً دينية في جامع “الاستقلال”، الذي شيّدته “الجمعية الإسلامية” نفسها، ملفتاً الأنظار بمواعظه”.

وتابع: “بعد سنوات قليلة، أصبح إماماً وخطيباً في الجامع ذاته. كما أنشأ مدرسة ليلية لمكافحة الأمّية. شارك القسّام في تأسيس فرع “جمعية الشبان المسلمين” في مدينة حيفا، وانتخب، في تموز/ يوليو 1928، رئيساً له، فكانت هذه الجمعية وسيلة فعّالة لنشر الوعي الوطني بين صفوف الشباب والرجال واستقطابهم”، لافتا لـ تعيين القسّام سنة 1930 مأذوناً شرعياً من قبل المحكمة الشرعية في حيفا، فصار يخرج إلى قرى الجليل ويتصل بالناس ويتعرّف إليهم، الأمر الذي زاد من شيوع صيته.

إطلاق الكفاح المسلح

وتابع القسّام استفحال الخطر الصهيوني بسبب السياسة البريطانية الداعمة لمشروع “الوطن القومي اليهودي”، ووصل إلى قناعة بأن بريطانيا هي العلّة الحقيقية وأن لا سبيل إلى ردعها سوى بالكفاح المسلح المباشر ضدها، وأن لا سبيل إلى ذلك سوى بالإيمان الصادق ونبذ الحزبية والعائلية والتضافر والتضحية والالتزام بسرية العمل وإحكام التنظيم والتوقيت، فضلاً عن حنوه على الفقراء وذوي الدخل النزير وسعيه المتصّل لتحسين حالهم.

وحسب دراسات تاريخية كثيرة استقطب القسام بذلك في حلقاته الخاصة ولاء دوائر زادت اتساعاً من سكان الريف وشيوخه ممن وفدوا إلى حيفا للعمل في مينائها ومصانعها ومصفاتها، وسكنوا في أحياء بائسة تحيط بالمدينة شرقاً، وكان الكثيرون منهم ممّن أُجلوا عن أراضيهم لانتقال ملكيتها إلى أيدي الصهاينة.

ووفق دراسة مؤسسة الدراسات الفلسطينية لم يكن القسّام راغبا في إعلان الجهاد ضد الاستعمار البريطاني قبل استكمال استعداده، بيد أن طوفان الهجرة اليهودية الجماعية في سنوات الثلاثينيات الأولى من القرن العشرين عقب صعود النازية في ألمانيا وتضييق السلطات الرقابة عليه والخشية من ضربة استباقية تقوم بها، أمور جعلته يندفع إلى إعلان الجهاد في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 1935 ليلاً في حيفا ويتجه من ثم مع أحد عشر من إخوانه إلى أحراج قرية يعبد من أعمال جنين. وهناك وقعت معركة غير متكافئة -دامت ست ساعات- مع القوات البريطانية يوم 20 من الشهر نفسه، حيث استشهد الشيخ فيها مع أربعة من رجاله وجرح وأُسر الآخرون.

وحسب الدراسة المذكورة شهدت مدينة حيفا إضراباً شاملاً في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 1935، بعد وصول خبر استشهاده، فأُغلقت الحوانيت والمتاجر والمطاعم، وودع الآلاف من سكانها الشهيد عز الدين القسّام ومن استشهد معه من أنصاره في أضخم جنازة عرفتها المدينة. دفن الشيخ القسّام في مقبرة “بلد الشيخ” من أعمال حيفا. وتؤكد الدراسة هذه أيضا أن عز الدين القسّام شيخ مشايخ الجهاد الفلسطيني، لعب استشهاده دوراً كبيراً في إشعال الثورة الفلسطينية الكبرى (1936- 1939)، وألهم المقاومة الفلسطينية منذئذ جيلاً بعد جيل.

الشيخ سالم صقر

وكان الشيخ الراحل سالم صقر إمام مسجد أبو بكر في بلدة كفركنا في الجليل قد قال لـ”القدس العربي” إنه زار حيفا في فترة الاستعمار البريطاني آخرها تزامن مع يوم تشييع القسام. وتابع: “صعدت للباص فالتقيت رجلا من بلدي ومعه صحيفة (فلسطين) اليومية الصادرة في مدينة يافا عنوانها الرئيسي باللون الأحمر: “استشهاد الشيخ المجاهد عز الدين القسام” فطلبتها منه فقد صعقني الخبر ورغبت بقراءة التفاصيل. وصلت حيفا وإذا بثلاث جنازات قد خرجت من المدينة باتجاه بلد الشيخ وهي للشهداء عز الدين القسام وأبو عبد الله الزيباوي من الزيب وشخص مصري. دفنوا في مقبرة بلد الشيخ”.

واستذكر الشيخ سالم صقر وهو من المعجبين بشخصية القسام أن الجنازات كانت متوسطة وليست كبيرة جدا ومن خلفها سارت فرق من الجيش الإنكليزي تعقبت المشيعين وكان المشيعون يهتفون ضد بريطانيا ويرددون شعرا لنوح إبراهيم شاعر الثورة لاحقا:

عز الدين يا مرحوم…. موتك درس للعموم

آه لو كنت بدوم …. يا رئيس المجاهدين

عز الدين يا خسارتك… متت فدا أمتك

مين بنكر شهامتك….. يا رئيس المجاهدين

كما استذكر صقر أنه في نفس يوم الجمعة زار مسجد الاستقلال وعند قيام المؤذن طاهر الدريني من أم الفحم أصلا برفع صلاة الظهر قام المصلون بأداء صلاة الجمعة وقد حضر رجل من المحكمة الشرعية اسمه الشيخ محمد باشا (كاتب من المحكمة الشرعية) ولما صعد المنبر قال: أشهد أن محمد رسول الله “وما لبث أن عمد إلى البكاء فبكى المصلون وأنا منهم لأن القسام كان عزيزا على الناس. قدم الشيخ محمد خطبة الجمعة وأنهاها بالقول: ولله جنود السموات والأرض”.

الدرس الأخير

لكن معرفة الشيخ الذي تقلبت عليه فصول الدهر بدأت مع القسام قبل استشهاده وملامح شخصيته مطبوعة في ذاكرته حيث قال: “خلال زيارتي لحيفا كنت دائما أرتاد مسجد الاستقلال لسماع دروس وخطب الشيخ القسام الذي أحببته واحترمته وأذكر أني صليت في شهر رمضان واحد 27 مرة صلاة التراويح. كان المرحوم يعتمر عمامة كسائر علماء الأزهر وكان رقم واحد في الخطابة فخطاباته حماسية وتدعو لاستقلال البلاد وطرد الإنكليز ومؤثرا جدا بالناس وكان النور يشع من وجهه ويتمتع بملكة الكلام وألفاظه فصيحة ولهجته سورية. وفي الدرس الأخير اللي سمعته في عام استشهاده أذكر إنو حثّ المصلين على النهوض والتحرر من الانتداب فقال: أيها المسلمون أنتم كالأيتام وأنتم بحاجة لخليفة”.

وتابع صقر: “كان القسام مدرسا وخطيبا وأخوه فخري الدين إماما. وفي الجامع الكبير -الجرينة- بجانب البحر كان الشيخ صالح العشماوي من تل شهاب في سوريا يقدم الدروس في الفقه والدين أما القسام فكانت معظم دروسه وخطبه سياسية. أما أغلب المصلين في الاستقلال فكانوا من أهل القرى. وقد ظلت محبة القسام تسكن قلبي حتى اليوم وقبل سنوات دعيت من قبل حفيده أحمد للمشاركة بحفل زفافه في يعبد ولبيت الدعوة. أخذت معي كتابا عن القسام وأهديته للعريس وهناك أخذتني العبرة وبكيت وفاء لذكراه كواحد أعجب به وبسيرته وقبل استشهاده المبكر كنت أستعد للانضمام له ولحركته السرية”.

من جهته وفي تصريح لـ”القدس العربي” ناشد حفيد القسام، أحمد محمد عز الدين القسام، وهو ضابط الأمن في محافظة جنين اليوم، قيادات فلسطينيي الداخل ببذل ما بمقدورهم لحماية ضريح جده ومقبرة بلد الشيخ المعروفة باسمه من التدنيس والتدمير.