الإعلام العربي.. إلى أين؟

بقلم : محمد هنيد

لعلّ أنصع الحقائق والخلاصات التي تمخضت عن عشر سنوات من عمر التحول الكبير الذي عرفته المنطقة خلال العقد الأخير هو الدور الخطير الذي ينهض به المرفق الإعلامي في البلاد العربية وحتى خارجها. لم يقتصر هذا الأمر على أكثر من نصف قرن من التضليل وتجميل جرائم الاستبداد وتغييب الشعوب وتبرير الجرائم والمذابح التي ارتكبت في حق شعوب الأمة وفي حق وتاريخها وذاكرتها وحضارتها إنما تجاوزها إلى وظائف أخطر.
 
شكّل المرفق الإعلامي الحكومي أو الخاص المرتبط به حجر الزاوية في الحرب على المُنجز الثوري وفي تسهيل الانقلاب على الثورات ووصمها بالعنف والفوضى والإرهاب والتطرف. عبّد بذلك الإعلامُ الطريق أمام الحملات الدامية التي قادتها قوى الثورات المضادة ونجحت إلى حدّ كبير في إيهام الجماهير بأن حكم الأنظمة الاستبدادية هو قدَرُ هذه الأمة وقدر شعوبها وأنّ البديل الوحيد له هو الإرهاب والحروب الأهلية والفوضى. 

في جذور الداء 

نشأت النواة الأولى للنظام الإعلامي العربي ـ إن صحّ التعبير ـ في السياق الثقافي والسياسي المقاوِم خلال الحقبة الاستعمارية في النصف الأول من القرن الماضي واعتمد أساسا على الصحافة الورقية. كانت الصحف أداة الجماهير في التعبير عن رفضها للتواجد العسكري الأجنبي على أرضها ولاقت في ذلك أنواعا من التضييق والقمع. مع بداية خروج القوات الأجنبية من المنطقة تفطّن النظام السياسي المحلّي الذي عوّض الحضور الأجنبي إلى ضرورة وضع اليد على الوسائل الإعلامية باعتبارها أداة السيطرة والتحكم والتوجيه.
 
إن الوعي السياسي لهذا الجيل مختلف تماما عن وعي الأجيال السابقة ثم إنّ سرعة التغيرات على الأرض وما يترتّب عنها من وعي بها سيُسرّع من إمكانيات التغيير بشكل لن يستطيع معه النظام الرسمي الصمود طويلا.
 
 
خلال أكثر من نصف قرن سيطر النظام الرسمي العربي على كل المشهد الإعلامي بقبضة من حديد ونجح في جعله امتدادا للمشهد السياسي وتحول الإعلام إلى بوق مباشر للقبضة الاستبدادية العربية عسكرية كانت أم وراثية. تحوّل الإعلام من أداة للتوجيه والسيطرة إلى مبرّر لجرائم النظام في حق المعارضين وللتغطية على الفساد وتمرير المشاريع المقوّضة لأسس المجتمعات والمخرّبة لوعي الأفراد والجماعات.

في السنوات الأخيرة من عمر النظام القمعي اشتدت القبضة الأمنية على كل القطاعات الإعلامية مسموعة أو مرئية أو مقروءة بسبب بروز ظاهرة الفضائيات وهو المؤشر الذي شكّل تحولا في المشهد الإعلامي العربي. فلأول مرّة لم تعد الأقاليم قادرة على التحكم كليّة في محيطها الإعلامي وصار المُشاهد قادرا منذ بداية التسعينات على تلقي الخبر من خارج حدود وطنه. 

منعطف الجزيرة 

مثّل ظهور الجزيرة في منتصف التسعينيات زلزالا ضخما هزّ أركان المنظومة الإعلامية ونجحت القناة في وقت قصير في أن تكون المرجع الأول لملايين المشاهدين العرب في الداخل والخارج. مكّنت مساحة التعبير في القناة من تشكيل نواة لخطاب سياسي نقدي يقطع تماما مع خطاب الحزب الواحد والرأي الواحد والتعليق الواحد. لكن من جهة أخرى نبّهت القناة النظام الرسمي العربي إلى الثغرة القاتلة في خطابه الإعلامي فتناسلت القنوات الإخبارية العربية أو الناطقة بالعربية في الدول الأجنبية لكنها لم تنجح جميعها في بلوغ السقف التحريري الذي رسمته الجزيرة.
 
حوربت القناة وهُدّدت بالقصف وتمّ قتل صحفييها واعتقالهم وسجنهم وحوصرت بعثاتها في كل الدول العربية لكنها نجحت رغم كل التضيقات في رفع مستوى الوعى الشعبي إلى درجات متقدمة. أمّا بعد ثورات الربيع العربي فقد عرفت القناة موجة شرسة من الشيطنة والتشهير واتُّهمت بالفتنة ودعم الإرهاب والتطرف والفوضى ولا تزال.
 
لكن رغم كل ذلك فقد كان ما أنجزته الجزيرة صعب الإلغاء بعد أن أحدثت في الوعي العربي أثرا غير قابل للنقض وهو الأمر الذي ساهم بشكل كبير في تشكيل وعي التغيير الذي صاحب الموجة الثورية. لم تعد الجزيرة قناة إخبارية بل صارت نسقا فكريا يعبّر عن وعي ملايين المواطنين ويقطع بشكل شبه كلّي مع مرحلة التزييف والتضليل السابقة له وهو مكمن الخطورة على وعي النظام الاستبدادي. هذا الأمر يتجلى في أن دول حصار قطر قد وضعت على رأس مطالبها لرفع الحصار إغلاق قناة الجزيرة وتوقفها عن البثّ بشكل يوحي بعجز الخطاب الإعلامي المضاد عن مجاراتها والحدّ من تأثيرها. 

الإعلام البديل 

مع اتساع رقعة الفضاءات الافتراضية التي تحولت إلى منابر بديلة عن منابر الإعلام التقليدي تغير الوضع التواصلي في المنطقة وفي العالم وهو الأمر الذي دفع بالحكومات إلى السعي لتدجين هذا الفضاء الجديد. يعود هذا الخوف إلى وعي الأنظمة والحكومات بخطورة مواقع التواصل الاجتماعي وقدرتها على التغيير وهو الذي يُعتبر أحد الأسباب المساهمة في إشعال فتيل الثورات.

. لم ينجح النظام الرسمي العربي في تدجين هذا الفضاء رغم الأموال الطائلة التي صُرفت على ما سمّي الكتائب الإلكترونية أو الذباب الإلكتروني.
 
هذا الفضاء الجديد يمثل اليوم رافدا أساسيا من روافد التوعية ونقل الأخبار وتحليلها بشكل دفع الإعلام التقليدي إلى محاولة مسايرته واستيعابه ومنافسته. كثيرة هي الملفات والقضايا التي يتناولها الإعلام الرسمي لأنها انتشرت بسرعة في فضاءات التواصل الاجتماعي محاولا إبداء رأيه فيها والتأثير على نقلها وتوجيهها. هذا الانتصار الكبير لمواقع التواصل يؤشر على أنها ستكون في المستقبل القريب المصدر الأساسي للخبر وأن قدرة الإعلام التقليدي أو الرسمي على التحكم في المشهد التواصلي ستتبخّر.
 
سيكون لهذا المنعرج الحاسم تأثير مباشر على حالة الوعي العربي التي تشكّل الرافعة الأساسية لكل تحرّك اجتماعي أو تغيير سياسي. إن الوعي السياسي لهذا الجيل مختلف تماما عن وعي الأجيال السابقة ثم إنّ سرعة التغيرات على الأرض وما يترتّب عنها من وعي بها سيُسرّع من إمكانيات التغيير بشكل لن يستطيع معه النظام الرسمي الصمود طويلا. معركة الإعلام هي أمّ المعارك العربية لأنها معركة الوعي ومعركة إدراك العالم وتحدياته فمتى تحرّر العقل العربي من قيود إعلام النظام فإنه سيكون قادرا على إحداث النقلة الحضارية الكفيلة بتحويله من عقل مغيَّبٍ إلى عاقل قادر على إخراج الأمة تدريجيا من حالة التردي إلى حالة إمكان النهضة.