بقلم الاستاذ سفيان ابو زيد 

أسماء الله وصفاته بين المقاصد والوسائل..

مما يندى له الجبين، ومن أخطر الجرائم هو ممارسة (الغميق) والاستاذية ودور القاضي وعالم الغيب والموحى إليه، والاستبداد الديني، والناطق باسم الله، وادعاء امتلاك مفاتيح الجنة او صكوك الغفران، أو توزيع الاتهامات والصفات الجاهزة التي تبدا بالجاهل فالفاسق فالضال فالمنحرف فالمبتدع فالفاجر فالمرتد فالكافر وهلم جرا…

صفات مكرتنة جاهزة مصنوعة من مادة الحقد والغل وسوء الطوية مغلفة بنصرة الدين والدفاع عن الشريعة..
فقضية التكفير أو الحكم بالردة او الكفر ليست عبادة ولا عبودية بل ينبغي أن يكون الفرار منها كالفرار من المجذوم، وسيول نصوص تتكاثف لتدل على ذلك دلالة واضحة صريحة لا لبس فيها، فإذا كان العلماء وفقهاء المدينة يهربون من الفتوى ويسلمها أحدهم إلى الآخر وكأنها شعلة نار ملتهبة، حتى تعود إلى الأول، وهي مجرد فتوى فيها من المصلحة والصلاح والإصلاح ما فيها، ورغم ذلك يتهربون من تبعاتها فكيف بمسألة التكفير والردة التي يرددها احدنا وكأنها تسبيحة او تكبيرة او تحميدة..والله المستعان..

و(الغميق) الذي ذكرته سابقا يتمثل كذلك في الحجر على العقل والتفكير أن يفكر خارج صندوق المذهب أو الطريقة او الشيخ أو الآية أو الإمام، وكل من سولت له نفسه أن يتساءل أو يستشكل أو يستفسر أو يرفض أو يفكر قليلا، سلطت عليه ترسانة الإرهاب وأدخل دوائر التصنيف، وعزل في انفراديات الردة والتكفير، او رمي به في مزابل الضلال والانحراف، وهجر وشتم وسب وانتهك عرضه وسريرته وشكك في نواياه واغتيب، إلى غير ذلك من السموم الشيطانية الإبليسية التي يظهرها في حلة الحرص والدفاع عن الشريعة، ومع الأسف تجد هؤلاء لا يسلطون ألسنتهم واسلحتهم إلا على (الحيوط) القصيرة التي لا حسبان بشريا على سبها وشتمها وقذفها وتكفيرها، خاصة إذا كان ذلك يروق لأصحاب (الحيوط) الكبيرة..أما إذا تعلق الأمر بهؤلاء عم وجوم وصمت رهيب، أو نطق بعض هؤلاء بالتأويلات المضحكة والاعتذارات السامجة، والتقليل من شأن ذلك.. فمرض الغميق هو مرض فكري منسحب على كثير من المجالات، لابد من مكافحته حتى تتطهر العقلية منه.. وعندها نناقش ما شئنا من المواضيع..فلا يمكن ان تكون متجردا صادقا حرا و(غماقا)..

اما ما يتعلق بأسماء الله وصفاته:

فقد ارهقنا في زمننا الحاضر، المتحدثون بعلم الكلام وحماة التوحيد والسفلية بتعقيداتهم ونقاشاتهم ومناظراتهم وإلزاماتهم وتصوراتهم حتى أصبح ذلك عبئا على الشريعة وثقلا على الإيمان، ومطبا في وجه المقبل، ومقصلة في وجه المتسائل والمستفهم، ومعولا من المعاول التي تستخدم لهدم الشريعة ولطخا لتشويه صورتها البهية، وعرقلة ليسرها وسهولتها، وهذا يشمل الجانب العقدي كما يشمل الجانب الفقهي، وكثير من دارسي الشريعة يستصحب معه تلك الحمولة الثقيلة ويلزم بها غيره ويحملها غيره ويحاسبه عليها وفي ضوءها ومحكمتها..
ولنات إلى مسألة اسماء الله وصفاته كنموذج لهذا الإرهاق:

هذا النوع من الصفات كصفة العلو والاستواء وغيرها لم ترد في القرآن الكريم للنص عليها ولم ترد مقصودة لذاتها وإنما جاءت في سياقات التعظيم والهيمنة وطبعا لتحسيس الإنسان المخلوق الذي له صورة عن العظمة والهيمنة لابد أن تركز له في المشهد الغيبي عن ناظره على ما يثبت تلك الهيمنة والعظمة ويرسخها، فهو يتعامل مع غيب، و سواء اثبت المعنى اللغوي لتلك الصفة او نفاه او اوله، فلن يصل به ذلك المعنى إلى الكنه،ولم يرد صاحب ذلك اللفظ ان يصل به إلى ذلك الكنه، وإنما أراد أن يقرب له معنى عاما ويرسخه في عقله وكيانه ووجدانه وهو معنى التعظيم والهيمنة والقيومية، كما جاء في تقريب معنى الرحمة ( لله ارحم من المرضعة برضيعها) وهو تقريب للمعنى، والتركيز على الخلاف في هذه المواطن بين إثبات او تأويل، إنما هو تلبيس من تلبيسات الشيطان لتغييب العقل عن المعنى الحقيقي والمقصود، فتضل الأفكار وتتعقد ويكثر الكلام والنقاش والأحكام والتصنيف… فيصبح الجميع بعيدين كل البعد عن الهدف والغاية والمقصد من تلك الصفات..

ومن هنا ما ينبغي أن نركز عليه هو السياق والمعنى المقصود وألا يغيب نظرنا عنه، ولنحمل وسائله على ظاهرها اللغوي مع التركيز على معنيي العظمة والهيمنة، فالمعنى الذي يعنينا في قضية العلو او المعية هو تعظيمه ومراقبته والشعور بمعيته ونصرته، ولو أراد الله أن نعرف عنه كل ذلك لبينه لنا صراحة وبيانا واضحا لا لبس فيه، كما بين لنا اتصافه بالسمع أو البصر أو الحكمة أو الرحمة أو الرزق، فمكان وجوده لا يعنينا أصالة في شيء طالما نعتقد بأنه العظيم المطلع المهيمن القريب وما تلك الصفات إلا لتأسيس هذه المعاني العظيمة والمقصودة والكبيرة..

ولندع النقاشات الفلسفية الغمقية التعصبية من كل الجوانب والمذاهب والتي سيطرت على فكر بعض العقول قديما وحديثا واجتاحت تفسيرات وشروح النصوص حتى يثبت كل مذهب أنه على حق وأن ما يقوله يوافقه الوحي..
وإن ناقشنا ذلك فلنناقشه في دوائر الدراسة والمدارسة التاريخية لعلم العقيدة كما نفعل مع باقي العلوم…

صفات الله منها مقاصد ومنها وسائل للمقاصد فلنركز على المقاصد التي ستنفعنا في سلوكنا وأخلاقنا وعبادتنا وتعاملنا مع هذا الكون، أما الوسائل فلنعتقدها كما هي او لنؤولها في ضوء المقاصد ولكن ألا نجعلها مقاصد..

والله اعلم