متى يعفو المؤمن ، ومتى ينتصر لنفسه ممن ظلمه؟

د.إياد القنيبي
صديقٌ عزيزٌ عليَّ مرض قبل فترة. سألته عن السبب فقال أنها خصومة مع قريبٍ يكبره سناً، والذي مدَّ يده على صديقي وضربه…ثم جاء من توسط بينهما و”صالحهما”.
لكن صديقي كان لا يزال يحس بالظلم والقهر، فكتم ذلك حتى مرض.
ولا أستغرب، فصديقي هذا رقيق جداً، طيب جداً، خدوم جداً. ومع ذلك فلا أستطيع أن أضع اللوم كله على قريبه لأني لم أسمع منه.
المهم أني لم أنصح صديقي بأن “يدوس على نفسه” ويتحمل كما قد تظنون. بل كانت نصيحتي له كالتالي:
(أخي الحبيب، ليس مطلوباً منك أن تُحَمِّل نفسك فوق طاقتها.
– إذا استطعت أن تسامح وتتعامل مع قريبك بشكل اعتيادي فهذا خير.
– وإن كان قريبك هذا ممن لا ينفع معه العفو بل يتمادى، فليس العفو هو الأكمل في كل مقام، بل الله تعالى قال: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) وقال: (ولـَمَن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل).
– وإن كان لا يتمادى لكنه يمتنع من أن يعتذر لك، وأنت ترى نفسك مظلوماً وترى الحق معك، فأرسل له رسالة تبين له فيها أنه ظلمك مع بيان الأسباب، وتقول له فيها أنك ستتجنب التعامل معه لفترة ريثما تهدأ نفسك.
– المهم ألا تجعل العفو على حساب نفسك وحقها. فنفسك هي رأس مالك، وليس مطلوباً منك أن تهلكها لتبلغ مقاماً في العفو لا تستطيعه !).

لما جاء وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً قَالَ له النبي: (آنْتَ وحْشِيٌّ؟) قُال: نَعَمْ، قَالَ: (أنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ؟) قُال: (قدْ كانَ مِنَ الأمْرِ ما بَلَغَكَ)، فقال له رسول الله: (فَهلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُغَيِّبَ وجْهَكَ عَنِّي؟).
لم يُحمِّل النبي نفسه حِمل أن يرى قاتل عمه الذي كان مِن أحب الناس إليه، بل أراد أن يحافظ على نفسه مما يُكَدِّرُها.
هناك أمور نسيء فهمها في ديننا، ومنها العفو…فنحاول أن نُحَمِّل أنفسنا ما لا تطيق. حتى إذا لم نستطع ظننا أن ديننا “غير واقعي” !
– بل هو دين سمحٌ يراعي ضعفنا البشري..
ليست هذه دعوة لعدم المسامحة، بل إنها عادة أدعى لراحة بالك وصفاء نفسك…وإنما هي دعوة لمراعاة نفوسنا وعدم تحميلها فوق طاقتها..
فإن استطعت أن تعفو مباشرة فافعل، وإن لم تستطع فابتعد ريثما تهدأ..وأعط نفسك حقها، فهي رأس مالك للدنيا والآخرة.