من الأوقاف إلى التوقيف والإيقاف، ومن الشؤون الإسلامية إلى شؤون أخرى..

سفيان أبوزيد

في كل الدول الإسلامية نجد وزارة تهتم بقطاع الأوقاف والشؤون الإسلامية أو الدينية..

هذه الإضافة بين هذين اللفظين لها دلالتها ومعانيها، فالوزارة والوزير في العرف اللغوي والقانوني والواقعي يطلق على أي جهة كفلت بتدبير وتطوير وتسيير وقطاع من القطاعات، حتى يؤتي أكله، ومصلحته وتدرأ عنه مفاسد الاندثار والاستهتار، يضاف إلى ذلك أن المكلف بهذا المنصب، متعاقد مع من اوصلوه إليه، على أن يكون تدبيره له وفق دفتر تحملات ومعايير الصيانة والحصانة والتطوير والاهتمام بهذا القطاع والدفاع عنه في كل الظروف والأحوال فشغله الشاغل هو هذا القطاع، فإن لم يف بذلك ترك المكان والمجال لغيره وهكذا..

هذا في الوزارة على العموم، أما إذا نظرنا إلى المضاف إليه، وجدنا أن الأوقاف جمع وقف، وهو كما عرفه الإمام ابن عرفة:((اعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازماً بقاؤه في ملك معطيها ولو تقديراً ))
ليس مقصودنا في هذه الكلمات شرح التعريف أو الوقوف عند فصوله وقيوده، ولكن المقصود هو الوقوف عند أسراره ومعانيه كقطاع من القطاعات الحيوية والمهمة، فهو وقف ولكنه في الحقيقة حركة ومنفعة ومصلحة وبذل وعطاء وسد خلة وحاجة، وإنعاش اقتصادي وطني، فهو وقف للمصلحة الناجزة الحالة الخاصة وتحريك للمصلحة العامة والأخروية الآجلة، فهو وقف لمفاسد العوز والفقر والحاجة والتكفف والتسول وحركة لليد العامة وللمشاريع وللاكتفاء ولحفظ ماء الوجه، فهو وقف للفوارق الطبقية وللمفاوز الدخلية، وتحريك للتكافل ونظر الغني للمعوز، فهو وقف للأنانية والاقطاعية، وتحريك للاجتماعية والتشاركية، فهو وقف للريع المالي، وتحريك للبذل المالي، فهو وقف للإذلال وتحريك للكرامة..
إلى غير ذلك من المعاني الحيوية التي وإن سميت وقفا فهي حركة وتحريك وحيوية وتنشيط لدورة المال في شرايين جسم الوطن والأمة حتى لا يصيب عضوا شلل او تلف أو استغلال أو إذلال..

وإذا نظرنا إلى المضاف الثاني أو المعطوف (والشؤون الإسلامية) سنجد بأنه شامل شمول شؤون الإسلام، فالإسلام دين شامل للحياة فهو عقيدة وعبادة ومعاملة وخلق ونحن لن نذهب بعيدا ونحلم كثيرا ونعيش وهما، خاصة في عصرنا الحاضر فسنخصص هذا العموم ونقصر دائرته وإن كان يأبى ويتأبى عن التقييد والتخصيص لأنه دين شامل للحياة، وسنقصره على الجانب العقدي والعبادي والأخلاقي كما هو معمول به، الذي يشمل الأصول والأركان والواجبات والفرائض والمستحبات والفضائل والسلوك، فهي مسؤولة عن هذه الجوانب صيانة وحصانة وتهذيبا وتجميلا وتزيينا وتطويرا وتحفيزا وترغيب ووجودا في الشارع والمؤسسة والإعلام والإدارة، فيشعر الناس بوجودها ووجود أثرها، ويسمعون صوتها وحديثها، ويرون شكلها وألوانها، ويشمون رائحتها، ويرون حركتها، ويتذوقون حلاوتها ونفعها، ويركنون عند مشكلاتهم إليها…

ولكن مع الأسف لا صوت ولا رائحة ولا طعم ولا وجود ولا حركة ولا شكل ولا لون، وإن سمعوا صوتا فلا يسمعونه إلا عند الإيقاف أو التوقيف، حتى ظن كثير من الناس أن لفظ الأوقاف محمول على أصله وهو الجمود واللاحركة أو التجميد وعدم التحريك، وجاء جمعا لكثرة ذلك، فلا يسمعون صوتها إلا عند توقيف خطيب أو إمام، وأضيف إلى ذلك إبان هذه الجائحة إيقاف مسجد وخطبة جمعة..

نحن لسنا ضد هذا الإيقاف الأخير للظروف التي يعيشها الوطن والعالم بخصوص هذه الجائحة…فدرا المفسدة اولى من جلب المصلحة، وحفظ النفوس واجب، ولكن أقول لهذه الجهة المسؤولة: رجاء وتوسلا أن تقتدوا بوزارة الصحة والداخلية والسياحة والصناعة وجميع القطاعات الأخرى التي وقف مسؤولوها دفاعا عن القطاع الذي هم مسؤولون عنه أولا، فقد وضعوه اول اولوياتهم ونصب أعينهم، ينافحون عن بقائه وصيانته وحفظه واستمرار موارده وفتح الأمكن من ابوابه، وإن لم يكن ذلك بالشكل المطلوب، ولكن على الأقل تسمع لهم صوتا، فكل يدافع عن قطاعه، إلا المسؤول عن هذا القطاع، فيجعله في آخر اللائحة، فينظر ويعتبر جميع القطاعات مهملا متناسيا قطاعه الذي به كلف ومن أجله وجد، الأوقاف وليس التوقيف، والشؤون الإسلامية او الدينية وليست شؤونا أخرى، فكل الشؤون لها من هو مسؤول عنها، وإن كانت الشؤون الإسلامية داعمة ومصلحة ومخلقة لكل تلك الشؤون، فلا اهتماما راينا بالشأن الخاص، ولا تخليقا لمسنا في الشأن العام..!!

كفانا من الإيقاف والتوقيف، والنطق باسم القطاعات والشؤون الأخرى، ولنهتم بالأوقاف تفعيلا وتطويرا، وبالشؤون الإسلامية تركيزا وأولوية..