اليوم الأسود… لا يحزنَنَّك تطبيعهم

بقلم سفيان ابو زيد 

الصهاينة لا يهمهم تطبيع الأنظمة، فكفالتها لهم قد تجاوزت الطبيعة إلى العراقة، ولكن الذي يهمهم هو تطبيع الشعوب، وتسلل التطبيع إليها، فكريا أو ثقافيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا أو سياسيا أو مدنيا أو إعلاميا، والمبادرة في إنجاح أو إفشال أي مشروع تطبيعي، هو بيد الشعوب، ترفع من تشاء وتذل وتهين من تشاء، ولنا في الشعوب التي سبقت أنظمتها للتطبيع خير قدوة، فقد ظل الكيان إلى يومنا هذا منبوذا مدحورا عند غالبية الشعب المصري رغم الحاجة والفقر و الضغط والاستبداد والفرض المسلط عليه..
ولا زال الكيان نشازا شاذا عند غالبية الشعب الأردني، رغم الحاجة والعوز والإغراء وفتح الأبواب، على مصراعيها، ولا زال الكيان مقاوَما عند غالبية الشعب الفلسطيني رغم تطبيع السلطة وتنسيقها، وكذلك الأمر سيكون بالنسبة لغالبية الشعوب المقبلة أنظمتها على الكفالة الصهيونية السرية أو العلنية..

وهنا أتذكر قصتين، إحداهما حدثت هنا في المغرب، والأخرى في مصر..
أما قصة المغرب: فهي أن إحدى المنصرات التي جاءت إلى جبال المغرب فاندمجت في المجتمع الجبلي الأمي الفطري، وتواصلت مع الناس وأعانتهم وأكرمتهم، فأحبوها واقتربوا منها وتقربوا إليها، فلما استووا وسنحت الفرصة، أخذت تحدثهم عن دينها وتقنعهم بالنصرانية، وبعدما أتمت حديثها ، قالت إحدى النساء الحاضرات لصديقتها: والله إنها امرأة طيبة كريمة حبذا لو أسلمت.. إنها الفطرة الناطقة والإيمان الراسخ المتجدر..
والقصة الثانية حدثت في مصر: وهو أنه إبان المد الشيوعي، التحق أحد الشباب بالدراسة في روسيا فجلس هناك سنوات عديدة، فلما رجع إلى قريته الصعيدية أخذ يحدث الناس ويكرر: لا إله والحياة مادة، والناس من كبار وشباب ينكرون عليه، وبعد أخذ ورد صاح وقال لهم: والله العظيم لا إله والحياة مادة.. إنها الفطرة الناطقة من الأعماق..

ولكن ما السبيل إلى استمرار ذلك النبذ والرفض، وتغذية تلك الفطرة ؟

إنها معركة الوعي، فالإنسان ليس مجرد جسم يلهث خلف ما يلتهم ويكدس ويلبس ويتمتع، بدليل أنه لو تعرض لسب أو تحقير أو إهانة في سبيل ذلك، صبر للجوع وتحمل العوز على أن يذل ويهان، فلابد من صناعة الوعي، الثقافي الديني الفكري الاقتصادي الإعلامي، ووسائله اليوم متاحة وليست حكرا على جهة أو نظام..
وأهم وسائله التعلم وتصحيح المفاهيم بشكل عام والتعرف على خطورة هذه الكفالة وذلك التطبيع على جميع المستويات، فلا تنتظر إعلاما رسميا ولا مدرسة ولا مؤسسة، كما أنك لم تنتظر وعيا او توعية من تلك الجهات المستلبة الناكصة عن مسؤولياتها منذ زمن، فخذ المبادرة وتوكل على الله ووعِّ نفسك وأسرتك ومن هم من حولك، وبث الوعي على منبرك وفي فصلك وفي مكتبك وعلى مقهاك وفي جريدتك وصفحتك وقناتك وبين أقرانك وفي ملعبك وعلى خشبة مسرحك، بغنائك وتمثيلك وعلى موقعك وفي موقعك وفي وظيفتك، ومؤسستك وجمعيتك وحزبك وحركتك.. ومنابر التوعية والوعي كثيرة لا تعد ولا تحصى…
كفانا من التفاهة والسفاهة، واعلم أنه بقدر دائرة تواصلك تزداد مسؤوليتك في معركة التوعية والوعي، فإن كان عدد متابعيك 100 فأنت مسؤول عن 100 وإن كان عدد متابعيك 1000 أو 10000 أو 100000 أو 1000000 فأنت مسؤول عن ذلك، فكن وفيا مخلصا، مبرهنا عن حقيقة امتعاضك!!

إنها معركة التدين الصحيح النقي الموافق للفطرة والمنطق البعيد عن كل خرافة أو انبطاح أو غلو أو تميع أو تعطيل للعقل، وهذا منابره بفضل الله كثيرة ولا زالت صامدة أمام كل الإغراءات والتحديات وستبقى بقاء هذا الدين ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) فبادر وتعلم وعلِّم من حولك، واستيقظ من غفلتك ونومك وانهماكك بعملك وكسبك، فكما تجد وقتا للنوم ووقتا للجلوس في المقهى ووقتا لهاتفك فإنك ستجد حتما وقتا لهذا كله..

إنها معركة اليقظة.. اليقظة والانتباه لأي تسلل يمكنك أن توقفه أو تندد به أو تحتج عليه أو تفشله أو تبين خطورته وما وراءه، مهما كان موقعك ومهما كان منصبك، فهذه المعركة قد يقوم بها المسؤول كما أنه يمكن ان يقوم بها الحارس أو البواب، فكما أنه أصبح للكاميرا البث المباشر والتصوير دور كبير في إفشال كثير من الجرائم او فضحها أو التوصل إلى مجرميها، فكذلك الأمر هنا..

إنها معركة الوحدة والتوحد، والحد من أي صراع مفتعل مدمر للطاقات ولكيان الأمة، والفاسح الطريق أمام الوحوش الخارجية، والمرتزقة المنتفعة الداخلية الذين يتخذون من الأزمات مرتعا وفرصة للتكسب، فكل ذلك الصراع أو الصدام سواء كان سياسيا أو طائفيا أو عرقيا او اجتماعيا، ينبغي أن يقف ويقطع خطوط وخيوط تغذيته وتفعيله وتحميته وتوجيهه.. وأن يجلس على طاولة التفاوض الحوار، بما يصلح حال الوطن ومآله ومستقبله..فهذا هو التطبيع المطلوب المرغوب، وليس تطبيع الكفالة والانبطاح..

إنها معركة الحركة والدعم والإتقان..
الحركة إلى الأمام، ومحاولة إخراج الأمة من مستنقع التخلف والهوان، مهما تباطأت وطالت تلك الحركة، المهم أن تستمر وأن تكون حكيمة عاقلة رصينة راشدة ذات نفس طويل، فهذا الذي نراه اليوم من كيان وصهينة، بدأ فكرة في عقل أحدهم قابلها اليهود أنفسهم بالاستهتار والاستخفاف والاستبعاد، ولكنه طول النفس والإصرار والعمل وفق قانون السببية الأرضي، فما بالك إذا كان عملك أنت وفق قانون السببية الرباني!! فالحركة الحركة، والنشاط النشاط، والعمل العمل، والأمل الأمل !!
والدعم لكل أفكار وحركات التحرر والوعي والتوعية والمقاومة، سواء كانت فكرية أو ثقافية أو اقتصادية او إعلامية أو فنية أو سياسية أو عسكرية صامدة أمام العدو كما هو الحال في غزة وفلسطين، فالعدو العسكري ظاهر ولكنه إعلاميا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا غابر، فلابد أن نبحث عنها ونوزع قنوات الدعم على كل تلك الجبهات ونوسعها، ما امكن، سواء كان الدعم ماديا أو معنويا..

الإتقان لما انت بصدده وما تحت مسؤوليتك، ولا يوجد فرد مكلف على وجه الأرض إلا وتحته مسؤولية، كبرت او صغرت فهو راع لها ومسؤول عنها، فأتقن دراستك، وأتقن وظيفتك، وأتقن صناعتك، واتقن سياستك، وأتقن إعلامك، وأتقن تدريسك، وأتقن أبويتك، وأتقني أمومتك، وأتقن كل ما هو تحت يدك مما فيه صلاح لك ولأمتك.. ومن مقتضيات الاتقان الحفاظ والتطوير والإبداع..

فاليوم الأسود هو يومَ تطبع أنت !!! أو ترضى بالتطبيع أو تساهم في التطبيع أو تنخرط أسرتك أو مؤسستك أو إدارتك أو الجهة التي تنتمي إليها مع صمتك أو رضاك بالتطبيع ..
أما تطبيع هؤلاء فهو مجرد فقاعة تفرقع بوعينا وصحة تديننا ووحدتنا ويقظتنا وحركتنا ودعمنا وإتقاننا..