الظن اكذب الحديث؟

إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث..

لماذا حذرنا من الظن وجل حياتنا مبنية على الظن، مع ندرة اليقينيات؟ كيف يكون الظن أكذب الحديث ؟

 

الجواب:

يطلق الظن لغة على ما يقابل اليقين، فيدخل فيه الشك والتردد والغالب والراجح والمتوقع والمحتمل والنادر والوهم والجهل وغيرها من المعاني التي هي دون اليقين والعلم والجزم والعيان..

وقد يطلق على اليقين كما قال تعالى( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم) أي يوقنون، إلا أن المعنى الاول هو الغالب، ويكون إطلاقه على اليقين من باب اعتبار الحال كما في هذه الآية، فهؤلاء الموقنون الصادقون، لم يركنوا إلى يقينهم فتقاعسوا وتركوا التعلم والنظر والتأمل، بل استمروا على البحث والتنقيب والزيادة في منسوب الإيمان واليقين، حالهم كحال ذلك الظان الذي ما زال يبحث وينقب ويتأمل، ويضع الدليل إزاء الدليل والبرهان تلو البرهان، ويتعلم ويعمل ويجتهد، لذلك جاء الفعل مضارعا دالا على التجدد، والاستمرار وعدم الركون، من هنا أطلق على يقينهم ظنا..

 

وكما سلف فإن الظن يطلق على ما دون العلم واليقين..وهذا هو الغالب وأظنه الأصل والحقيقة، وهو المقصود هنا في هذا الحديث..

 

فلماذا حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الظن، وأغلب حياتنا ومعلوماتنا مبنية على الظن، وبدون ظن لا يمكن ان تستمر الحياة، وستتوقف كثير من المصالح والأعمال؟

 

المقصود الاول من المعرفة هو تحصيل المصلحة او درا المفسدة أو كلاهما، فلا يوجد عاقل سليم سوي يكون مقصوده الأول من المعرفة هو الضرر أو الإضرار، ولا يوجد عاقل سليم سوي يشتغل وينهمك بمعرفة لا نفع فيها ولا ضرر لأنها ستكون على حساب إضاعة معرفة فيها نفع، وبالتالي يكون ذلك الانهماك مفسدة لهذا السبب المتعلق..

 

و الأصل في المعرفة سواء كانت مستقبلة أو مؤداة هو العلم واليقين، وذلك في الإخبار أو التعليم او اتخاذ القرار، فأنا لا أصرح بمعلومة إلا إذا كنت متيقنا منها، هذا التيقن يتعذر في كثير من الأحيان، نظرا لقلة الأدلة أو تعارضها أو عدم وضوحها أو احتمالها أو ترددها أو خفائها، أو ضعفها أو شحها أو عدمها أو عدم فهمها…إلى غير ذلك من الاحتمالات التي افتصرت على أصولها..

هنا أحاول أن أصل إلى الحقيقة، بالتأمل والنظر و الجمع بيز الأدلة أو الترجيح او التوقف أو زيادة البحث، مبتغيا من ذلك الأصلين السابقين ( تحصيل النفع الذي هو جلب مصلحة او درأ مفسدة او هما معا – وتحصيل اليقين او ما يقرب له )

وكل تلك الوسائل تدخل في باب الظن، إذن فالظن وسيلة وهذه الوسيلة لها حكم المقصد، فإن كان المقصد تحقيق مصلحة حقيقية او معتبرة، ودرأ مفسدة حقيقية او معتبرة كان للوسيلة حكم ذلك المقصد على مراتب تلك المقاصد وأهميتها ومجالاتها وأنواعها..

 

فإذا نظرنا إلى المصلحة المرجو من فهم النصوص الشرعية، وفق مراد منزلها ومبلغها، وقد أنزل اغلبها غير واضح الدلالة، كان الظن بوسائله السابقة مطلوبا مرغوبا محمودا..لأنه يحقق مصلحة تفعيل هدايات الوحي وتنزيلها وتعبد الناس بها، والوصول إلى مصالحها والمصالح التي دلتنا هي عليها، ومن هنا كان المجتهد مأجورا في حالة صوابه وخطئه..

 

وإذا نظرنا إلى ما يتعلق بالنفس، فالأعلم بالنفس بعد خالقها هو صاحبها، إلا أن هذا العلم او المعرفة أو التعرف ينبغي ألا يخرج عن المقصود العام من النفس ما يصلحها في الدنيا والآخرة..

إلا أن طائفة من الناس أفرطت في جانب الثناء ومدح النفس والتغاضي عن أخطاءها وتسويغها وعدم الاعتراف بها، فكان ذلك سببا ضلالها وكبرها وعجبها واستبدادها..

وهناك طائفة من الناس أفرطت في جانب الذم والاحتقار والإذلال، وعدم الثقة والاعتداد، والإهانة والمعاقبة والمحاسبة، فتسبب ذلك في هوانها وضعفها بل قنوطها ونكوصها عجزها وعدم فاعليتها..

والسواء والعدل بين ذلك، بين خوف ورجاء وتهذيب وثناء وتربية ومحبة، حتى يستقيم الأمر ويطول النفس وتظهر مكامن الإبداع..

فظن بنفسك المناسب في الوقت المناسب ابتغاء صلاحها واستمرارها..

 

وإذا نظرنا إلى ما يتعلق بالغير، المقصود منه الاستقرار والعدل والانصاف والتصالح وفشو الصلاح الظاهر والبعد عن التشاحن والبغضاء والظلم والاعتداء والافتراء والكذب والتقاطع والتدابر،… إلى غير ذلك من المقاصد المرجوة من أي تجمع وهي ما نهي عنه في تتمة هذا الحديث، والتي سنعقد لها مقالات إن شاء الله تعالى..

فأي معرفة سواء كانت يقينا أو ظنا تحقق هذه المقاصد، مع مراعاة أهميتها ومراتبها، والقوانين المنظمة والحريصة عليها، كانت تلك المعرفة مطلوبة مرغوبة محمودة، ومن هنا جاءت الدعوة إلى الكلمة الطيبة والدعاء بالخير وحسن الظن، والمدح والثناء، وجعل ترك الإنسان ما لا يعنيه علامة على جودة تدينه، ونهي عن التجسس والتحسس و الغيبة والنميمة والقذف والحديث في الأعراض والاعتداء وغير ذلك..وبواعث كل هذا المنهيات هو إعمال المعرفة سواء كانت ظنا او يقينا في غير جلب مصلحة او درإ مفسدة أو هما معا، أو في أمر لا نفع فيه ولا ضرر على حساب ما فيه نفع..

 

من هنا جاء التحذير عن الظن، فيما يتعلق بالغير، فميثاق علاقتنا مع الغير ومناط حكمنا هو شاشته وظاهره، مع محاولة بعضنا مع البعض إرسال رسائل إصلاحية إلى الباطن من خلال النصح والتعاون على الخير والتغاضي والتغافل وإصلاح ذات البين، والحرص على شرائع الإسلام وإرسال القوانين، وترسيخ القيم والحرص على نظافة المجتمع الظاهرة…دون ظلم او نكاية او تشف او تعسف في استعمال الحق..

وفي نهاية المطاف كل منا ينشغل ويشتغل بخاصة نفسه وما يصلح حاله في الدنيا ووقوفه الفردي أمام ربه ( وكلهم آتيه يوم القيامة فردا )

فهذا الجزء من الحديث قانون ومرسى أمان واستقرار للمجتمع موجه للفرد والأسرة والجيران وابناء المدينة الواحدة والوطن الواحد وموجه للامة، وموجه للمشتغلين بالشان العام وللإعلاميين وللعلماء والدعاة والمربين ولكل من يمكن لكلمته او حكمه او قراره ان يترتب عليه مفسدة أو ضرر راجح معتبر يقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم ( إياكم والظن )

 

ولكن..

كيف يكون الظن أكذب الحديث؟

 

هذا تفضيل مقيد وليس مطلقا، فيستثنى منه الكذب فلا يصح لا لغة ولا عقلا أن نقول الظن أكذب من الكذب، لأنه لا توجد عبارة أمعن في المعنى وأدل عليه من عبارة تحمل حروفه وهي هنا الكذب، ولا أدل على ذلك أن جعل الكذب ميزان ومناط تقابح (في مقابل تفاضل) للظن فقال (أكذب) فأقرب المنازل من الكذب واعلاها حمولة له هو الظن الذي سبق أن بينا معناه والمراد منه في هذا الحديث..

 

لماذا؟

 

لأنه يحقق نفس المفاسد او قريبا منها التي يحققها الكذب..

فالكذب إخبار او تعريف، بخلاف الحقيقة، وهذا الإخبار يكون بزعوم وحجج ومحاولات لإقناع الغير بذلك الخبر الكاذب، الذي يوقن ناطقه أو قائله بأنه غير صحيح وخلاف للواقع، ونحن نعلم ما لنقل وإشاعة غير الحقائق وخلاف الواقع من المفاسد والسلبيات على النفوس والعقول والمجتمعات أخطرها وأعظمها بث الشكوك وانعدام الثقة التي هي لحمة المجتمع وصمام أمانه..

هنا يأتي الظن ليحقق نفس الغايات والمفاسد او قريبا منها، فهو بريد إلى الكذب، وطريقة غامضة ملتوية مخادعة ماكرة في الكذب، بل قد يكون أخطر من الكذب أحيانا كخطورة النفاق بالنسبة للكفر، فالكفر حجود واضح والنفاق حجود ملتو..

لذلك جاء هذا التفضيل بأن الظن (أكذب الحديث) حتى نفر منه فرارنا من الكذب، فنتناصح ونتعاون على الخير ونحسن الظن ونمعن في إحسان الظن، ونحفظ مجتمعنا من أي رذيلة وفق شرعنا وضمن قانون عادل متجرد منصف وفي آطار منظومة تربوية قيمية متكاملة، وقبل ذلك وبعده كل يشتغل وينشغل بخاصة نفسه وما يصلح حاله وباله ومآله..

وقد ذكر هذا الحديث انواعا من ذلك الظن نفرد لها مقالات أخرى إن شاء الله تعالى..

 

والله أعلم