كيف تنتصر في نقاش ثقافي؟

بقلم : محمد الشافعي

 

عندما تُقابل بالمعارضة، حتّى لو كانت من زوجتك أو أبنائك، حاول أنْ تتغلب عليها بالحجّة والنقاش، وليس بالسلطة، فأيُّ نصرٍ مُعتمدٌ على السُلطة هو نصرٌ غير حقيقيٍّ ووهميّ

 

(بيرتراند راسل)

 

نقاشاتٌ شتّى نشهدها كلَّ يوم، وتعصفُ بالنّاس من كلِّ جانب، نشهدها في العمل، في الشارع، في محلٍّ للخضارِ مثلاً، أو في صالونٍ للحلاقة! فما أكثر اللغو في مكانٍ كهذا! ولكنْ هل سألنا أنفسنا، هل هذه النقاشات مُجديّة؟ أمْ هي لهو حديثٍ مبتغاه النصر على الطرفِ المقابل؟ أو كما نقولها بلهجتنا الفلسطينية (أعلّم عليك)! يقول الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن: (كلُّ قولٍ خلا عن الدليل الذي يُثبته، فلا بدَّ أنْ تصير القوّة هي دليله، إذ لا يخلو إمّا أن يستندَ إلى البرهان أو إلى السُلطان)، ومنْ أهمِّ المعايير التي تُحدّد أيّ نقاش هي المفاهيم الموضوعة على طاولة هذا النقاش، وهذا ما حدّده أفلاطون في جمهوريته! فيجب تحديد المفاهيم والأمور التي يجب النقاش فيها قبل البدأ به، وذلك كي لا يتشعّب! وننتهي إلى نقاش بيزنطي ستكون القوّة بمختلف أنواعها هي سيدة الموقف حينها.

 

إنَّ الدوغماتية التي نعيشها، والتي تكون حتميّة بالضرورة عندَ الجميع، يتبعها ذلك الهدف الأسمى، ألا وهو إثبات الدعوى لديهم بكافّة السُبل! ولا نأبه بما يقوله الطرف الآخر، حتّى أنّني أُصادف الكثير من البشر الذين لا يسمعون ما يُقال من الطرف المقابل، ويكون هذا على شكلٍ مستفزٍّ أحياناً، كهزِّ الرأس مراراً وتكراراً وكأنّه يُصغي لما يُقال! وهو بعيد كل البُعد عمّا يُسمّى إصغاء! والآن سأورد مقولةً لنيتشه ترتبط بموضوعي هذا، يقول الفيلسوف الألماني: (نحن عندما نمدح، نمدح بما يُوافق ذوقَنا، لذلك ما نقوله للطرف الآخر ما هو إلّا تعبير عن ذوقنا نحن ومديح له وليسَ أيّ شيء آخر)، ما أُريد إيصاله هنا، أنَّ في حواراتنا أيضاً، نقول ما يُثبتُ دعوانا فقط، أو ما نقتنع به، وكما قال نيتشه نحن نمدح ذوقنا ولا نمدح الطرف المُقابل، فهذه العصبيّة في داخل البشر هي قُصور عصيّ على التحليل إلى حدٍّ ما، وأنا هنا لكشف الغمّة التي تُحيط بهذه العصبيّة قدرَ المُستطاع.

 

دعوني أعود إلى أوّل كلمة في عنوان المقال، ألا وهي الاختلاف! وكما قال طه عبد الرحمن: (الأصل في الحوار هو الاختلاف)، وهذا من المسلّمات والتي لا جدالَ فيها، ولكن الخلل سيظهر كعواقب بعدَ هذا الاختلاف، وكيفيّة التعامل معه، وردود الفعل التي تنتج من هذا الاختلاف! وعلى الرغمِ منْ التخبّط الموجود في أيّ نِقاش، إلّا أنّني أكتبُ هذا المقال لأظلَّ سابحاً عكسَ التيّار وأنْ أخلقَ على الأقل تصوّر لتقبّل الآخر، وأنْ أُشعل الشرارة في عقلِ كلّ من يقرأ هذا المقال، أنَّ هناك أساليب للنقاش وللمحاورة وأنَّ السًلطة المستخدمة في نسفِ أي نقاش هي منْ الدكتاتوريات والتي تتفاوت من الحاكم على دولة إلى رئيس ومرؤوسين في شركة.

 

الغضب يلعبُ دوراً في إنهاء النقاش لصالح الطرف الهادئ عادةً! فكما يُقال: (من علا صوتُه ضعفُت حجّته)! والأجدر بأيّ شخص هوجم بعلو الصوت، أنْ يبقى هادئاً لكسبِ النقاش، والتركيز على ما يملك من حجج وأدلّة

نعمْ، هي السُلطان، السُلطة، والقوّة، وهناك شكل من أشكالها شائع جدّاً، ونراه كثيراً، خاصّة بين أصدقاءٍ سُذّج، أو بمعنىً آخر شلّة الأُنس والتي تحتوي على مجموعة من الجُهّال وتكون وظيفتهم هي التنكيل بأيّ طرف يُحاول مناقشتهم في أيّ مسألة أو موضوع! والنصر لهم لا مَحالة -ظاهراً فقط- ليس لأنّهم جهابذة مثلاً -حاشا وكلّا- بلْ لأنّ أحد أشكال القوّة المفروضة في النقاش هو اتفاقهم على رأيٍ معيّن والمحاججة به لأنّ الأكثريّة تقول به، أمّا الطرف المسكين صاحب الحجّة والدليل فلن يستطيع معهم صبراً، لأنّه وحيد أمام متعصبين يقولون برأي تمّ الإجماع عليه فقط في عقولهم الفارغة!

 

الدكتاتوريّة في النقاش تكونُ أيضاً في وضع مجلس نواب شكلي، وتحضير جلسات وحوارات وتخدير النّاس بها! لإعطائهم ذلك الإحساس بالديمقراطيّة! وعلى الرغم من وعي الكثير من البشر أنَّ هذه مجرّد ألاعيب من الحاكم المُحرّك لهذه الدمى، إلّا أنّهم يبقون في جدل حول ما يتداوله هؤلاء النوّاب! وهناك من يُصادق على ما يقولون، ويتهّم البعض بالتقصير وما إلى ذلك! فيا أحبّة وبالله عليكم، لا تنسوا أنَّ نيقولا مكيافيلي قدْ أصّل لهذا في كتابه الشهير (الأمير) وأنَّ هذه الديمقراطيّة، ديمقراطيّة زائفة! فلا تنظروا للنواب بلْ انظروا لأساس المُشكلة، انظروا للقوّة المهيمنة على نقاشاتهم المبتوت فيها بأشهر من انعقاد أيّ جلسة لهم.

 

.

 

أظنُّ أنّني كتبتُ بما فيه الكفاية عن السُلطان في النقاش، وعن الاختلاف أيضاً، ولكنْ أين الغضبُ من هذا النقاش؟ برأيي أنَّ الغضب يلعبُ دوراً في إنهاء النقاش لصالح الطرف الهادئ عادةً! فكما يُقال: (من علا صوتُه ضعفُت حجّته)! والأجدر بأيّ شخص هوجم بعلو الصوت، أنْ يبقى هادئاً لكسبِ النقاش، والتركيز على ما يملك من حجج وأدلّة أمام هذا الغاضب المُفلس، لهذا قسّمتُ العنوان في هذه الكلمات: الاختلاف، والذي يتبعه الغضب، وعند نقطة الغضب نتفرّع إلى علو الصوت إنْ افتقد صاحب الكلام إلى الحجّة والسُلطة، أمّا إذا كانَ من أصحاب السُلطة فسينتهي النقاش قبل أنْ يبدأ!

 

يقول ميشيل دي مونتين الشاعر الفيلسوف الفرنسي: (إنًّ أكثر الحوارات مللاً هي التي يتفّق عليها الجميع)، ولطالما دُهشتُ ممن يكونون على وفاق في جميع المسائل والقضايا! لا أنّني أدعو للتفرقة أو ما شابه ذلك، ولكنْ أرى أنْ تضارب الأفكار والعقول هو ما يُوصلنا لنتائج كانت مغيّبة عنّا، وفي هذا قال العملاق عبد الوهّاب المسيري: (لو أنّني قرأتُ كتاب الإسلام بين الشرق والغرب مبكّراً لوصلتُ لنتائج وصلتُ إليها متأخّراً)! والأمر سيّان بالنسبة للنقاشات في كلِّ شيء، ومنْ أجلِ هذا كتبتُ هذا المقال! وكانَ استهلالي نقداً للنقاشات السلطوية! ومن ثمَّ البيزنطية العقيمة، ووضعتها كمقدمّة للوصول للنتيجة المرجوّة والتي تكمن في احترام الحوار وفهم أساليبه على أكمل وجه!

 

وأودُّ أنْ أُشير إلى صاحبِ الإلهام لكتابة هكذا مقال! فهو الذي دفعني أنْ أكتبَ في هذه المسألة ولكنني خالفتُ ما قرأتُ منه، وصاحب الإلهام هو شوبنهاور صاحب كتاب “فن أنْ تكون دائماً على صواب أو الجدل المرائي” مع العلم أنني لم أنتهي من قراءته ولكنْ رفضتُ الكثير مما طُرح فيه، ولكنني لا أُنكر عُمق الكتاب، ولا أُنكر الدهاء الذي يملكه شوبنهاور في التأصيل للانتصار في أي حوار كان حتّى مع غياب الحجّة والدليل! وفي الختام وبعيداً عن جدل شوبنهاور المرائي نقول كما قال فرانس غريلباتسر: (ذوو العقول الراجحة، حديثهم يُغنيك عن مئة كتاب)