كتب عشرات المصاحف ونال مرتبة “القوني” في دارفور.. وفاة المعمر السوداني بشارة المسيري

توفي قبل أيام عن عمر تجاوز 100 عاما القوني بشارة مصطفى المسيري، الذي ينحدر من دارفور وعرف بحفظه القرآن الكريم بالروايات المختلفة وخط بيده عشرات المصاحف، ونال مرتبة “القُوني” في السودان والتي يختص بها المتميزون من حفظة القرآن.

واشتهر المسيري بقلة كلامه وزهده، وعاش في منزل بمدينة الجنينة في دارفور قرب الحدود السودانية التشادية. وكان القوني بشارة المسيري يبلغ من العمر 90 عاما عندما التقته الجزيرة عام 2006، بينما كان يجلس في متجر متواضع بسوق الجنينة آنذاك، فقال لموفد الجزيرة نت إنه حفظ القرآن في نيجيريا، ودرس علومه حتى وصل إلى درجة القوني.

وكان المسيري وهو في التسعينيات من العمر يخط المصحف الشريف بيده، وسأله موفد الجزيرة نت عن التقاليد المتبعة لتنصيب القوني، فقال إن الحافظ يجب أن يكرر تسميع القرآن 20 مرة، والأخيرة يكتبه بخط يده من رأسه، ثم يتم إجلاسه على منضدة عالية ويعلن للناس أن الرجل بلغ مرتبة القوني.

وأفاد المسيري حينها أنه ما زال يمارس كتابة المصحف يدويا، وأنه كتب 50 مصحفا، لكنه لا يبيعها وإنما يهديها فقط. وقد تخرج على يده 70 قونيا، وما زال يدرس القرآن الكريم في خلوة أقامها في منزله، أما عدد الحفظة الذين تخرجوا على يده ولم يصلوا درجة القوني فهم كثيرون لا يعلم عددهم.

القوانة ومكانتهم
وتعد “القوانة” أعلى درجات حفظة القرآن الكريم (جمع قوني)، والتسمية مأخوذة من لغة “البرنو” المعروفين في التاريخ الإسلامي بدولتهم الإسلامية في المنطقة الواقعة شمال تشاد، وتعني لديهم “الرجل الغني بالقرآن”.

والقوني، هو الرجل الذي يحفظ القرآن بإحدى الروايات المعتمدة، وبعد ذلك يلم بجميع علوم القرآن، وخاصة معرفة عدد حروفه والآيات المتشابهة والناسخ والمنسوخ وضبط القرآن، ويعرف عدد ذكر كلمة معينة فيه، كأن يعرف مثلا كم مرة ورد لفظ الجلالة منصوبا أو مجرورا أو مرفوعا، ومعرفة بدايات الأجزاء وغيرها.

ويمرّ الحافظ الذي يتقدم لرتبة القوني باختبارات صعبة من عدد من القوانة حتى يصل إلى هذه الدرجة، كما يشترط أن يكتب المصحف من حفظه وبخط يده، ثم يتلوه أمام القوانة ليثبت جودة حفظه، وإذا نجح يقوم أكبر الشيوخ بإلباسه طاقية وعمامة ويؤذَن له بتدريس الرواية التي حفظ عليها القرآن.

دارفور بلد القرآن
واشتهرت دارفور بأنها بلد القرآن الكريم، ولم تأت هذه التسمية من فراغ، ففي تاريخها المدون والشفاهي حكايات وروايات عن تعظيم القرآن وحفظته، أقلها أن المتقدم على الزواج لا بد أن يكون حافظا لكتاب الله تعالى كشرط لإتمام العقد.

وكان سلاطين الممالك والسلطنات القديمة يعطون الفقهاء والعلماء وحفظة القرآن الكريم المكانة العليا في مجتمعات ذلك الزمان، وما زالت هذه التقاليد الموروثة مستمرة في دارفور رغم تبدل الأحوال والأزمان، وإن لم تكن بنفس الانتشار.

وظلت دارفور منذ عام 1600 للميلاد بلدا مسلما جميع سكانها من المسلمين، وظل القرآن الكريم القاسم المشترك بين القبائل العربية والأفريقية، والحكم بينهم في ما يثور من نزاعات.

واهتم سلاطين دارفور بالعلم والعلماء، وعرف عنهم كسوة الكعبة المكرمة وإرسال ما يعرف آنذاك بالمحمل إلى البيت العتيق. ولا تزال أوقافهم معروفة في الأراضي المقدسة وأشهرها “آبار علي” على الطريق بين مكة والمدينة المنورة، والمقصود بعلي هنا السلطان علي دينار، أحد سلاطين دارفور.

وكان يتم اختيار السلاطين وفق مؤهلات خاصة أبرزها حفظ القرآن الكريم والإلمام بالشريعة الإسلامية، مما يدلل على تمكن القرآن في مجتمع دارفور منذ القدم.

وفي حديث سابق للجزيرة نت، قال رئيس جمعية القرآن الكريم بولاية غرب دارفور البشاري نجم البشاري إن مكانة العلماء والحفظة كانت مرموقة لدى السلاطين، وضرب مثلا بالسلطان بحر الدين سلطان دار مساليت الذي عاصر الحرب العالمية الثانية.

وأوضح أن السلطان بحر الدين وضع ترتيبا لمجلسه السلطاني، فكان أول ما يخرج من داره يلتقي بالفقهاء وحفظة القرآن، ثم من بعدهم قيادات السلطنة، ثم يستمع لشكاوى عامة الناس.

المصدر : الجزيرة