امنيات… قبل الرحيل…

لكل إنسان في هذه الحياة أمنيات وآمال يسعي إلى تحقيقها، وتتفاوت هذه الأمنيات وتلك الآمال بتفاوت الأشخاص زمانًا ومكانًا، فأصحاب الهمم العالية لهم أمنيات وطموحات تختلف عن أمنيات وطموحات أصحاب الهمم الدنيئة، والله تعالى يعطي كل إنسان على حسب سعيه وحسب ما يتمنى، قال تعالى :{مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا . وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا . كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰؤُلَاءِ وَهَـٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا . انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء:18-21]، وقال: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: من الآية154].

فمن الناس من يجعل أمنياته وطموحاته وآماله في هذه الحياة لا تتعدى أمور الدنيا إلى ما سواها من أمور الآخرة، فليس له هم إلا تحصيل الأموال والمناصب والوجاهات، وهو في أمانيه تلك لا يرعوى ولا يشبع من شيء ولا يقنع بشيء, قال تعالى: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا . وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 19-20].

أما المؤمن فإن لديه في الدنيا كذلك أمنيات يسعى إلى تحقيها.

أمنيات حياتية مشروعة، كتمنيه الزوجة الصالحة والذرية الطيبة، قال تعالى على لسان عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].

والإسلام لا يمنع أن يسعى المسلم في هذه الحياة إلى الكسب الحلال ليعف نفسه ويحفظ من يعول، ولا يمنعه من طلب العلم شريطة أن يكون علمًا نافعًا يعود خيره عليه وعلى غيره، وهو في كل ذلك يستصحب النية الخالصة لله رب العالمين.

إلى نبي زمانهم: قل لفلان يتمنى. فقال: يا رب أتمنى أن أجاهد بمالي وولدي ونفسي؛ فرزقه الله ألف ولد، فكان يجهز الولد بماله في عسكر، ويخرجه مجاهدًا في سبيل الله، فيقوم شهرًا ويقتل ذلك الولد، ثم يجهز آخر في عسكر، فكان كل ولد يقتل في الشهر، والملِك مع ذلك قائم الليل، صائم النهار؛ فقتِل الأَلْف ولد في ألف شهر، ثم تقدم فقاتل فقتِل. فقال الناس: لا أحد يدرك منزلة هذا الملك؛ فأنزل الله تعالى: {لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} من شهور ذلك الملك، في القيام والصيام والجهاد بالمال والنفس والأولاد في سبيل الله”. تفسير القرطبي [1/6181].

وقف الحسن البصري عند قبـــر بعد دفن صاحبــــه ثم التفت على رجل كان بجانبه فقال :

أتراه لو رجع للدنيــا ماذا تراه يفعل !!

فقال الرجل : يسـتغفر ويصلي ويتصدق ويتزود من الخيرفقال الحسن هو فاتتــه فلا تفوتك أنت.

يا أخي الحبيب: حدد من الآن أمنياتك وآمالك، واجعل هدفك الأسمى وطموحك الأعلى مرضاة ربك، ولا ترتض بغير جنة الخلد بديلًا، ولا بغير الفردوس الأعلى منزلًا ومقيلًا،