أعظم بشرى وأخطر لحظة

أحمد السيد :

يبدأ اليوم الآخر بالنسبة للإنسان عند لحظة موته؛ حيث ينتقل من عالم الدنيا إلى عالمٍ آخَر، عالمٍ محجوبة حقائقه عن حواسنا، وإن كنا نعلمها بالخبر الصادق عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ولئن كان يوم القيامة يُسمى في القرآن الكريم (الساعة) وذلك في آيات كثيرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد سمى لحظة موت الإنسان ساعةً بالنسبة إليه، كما في صحيح البخاري عن عائشة قالت: كان رجال من الأعراب جفاة يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه: متى الساعة؟ فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: “إن يعش هذا، لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم”. قال هشام: يعني موتهم (صحيح البخاري (6511)
قال الإمام ابن كثير رحمه الله معلقاً على الحديث: (وذلك أنّ من مات فقد دخل في حكم القيامة، فعالم البرزخ قريب من عالم يوم القيامة، وفيه من الدنيا أيضاً، ولكن هو أشبه بالآخرة، ثم إذا تناهت المدة المضروبة للدنيا، أمر الله بقيام الساعة، فيُجْمَعُ الأولون والآخرون لميقات يوم معلوم) ( النهاية في الفتن والملاحم (1/197). )

وعند تلك اللحظة الرهيبة العظيمة تأتي البشرى للمؤمن برضوان الله وجنته، فيقال له: لا تخف مما أمامك، ولا تحزن على ما وراءك. وهي اللحظة التي يكون فيها أهله حوله يبكون ويتألمون لفراقه، وهم لا يعلمون أنه فرح سعيد مبتهج مطمئن، مشتاق للقاء الله سبحانه وتعالى، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه”. قالت عائشة، أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت! قال: “ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حُضر بُشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه كره لقاء الله، وكره الله لقاءه”.( صحيح البخاري (6507)
فهذا من أعظم المبشرات وقد أخبر الله تعالى عن ذلك في سورة فصلت، بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون}[فصلت:30]

وكما أن هذه اللحظة هي البشرى الكبرى بالنسبة للمؤمن -ولا تنافسها بشرى إلا حين يستلم كتابه بيمينه يوم القيامة-، فإنها -في نفس الوقت- لحظة عصيبة مؤلمة شديدة على المنافق والكافر والفاجر، فهو في تلك الحال التي يحتاج الإنسان فيها إلى أدنى بصيص ضوء أو أمل، تأتيه النذارة بأن الله ساخط عليه وأن ما أمامه إنما هو العذاب! كما قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُون}[الأنعام:93] فالملائكة تقول لهم عند الموت: اليوم تجزون العذاب! يا إلهي!
بل إن الأمر اشد من ذلك، فمعنى قول الله: {بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ} أي: بالضرب، والعذاب، كما قال المفسرون وكما شهد له القرآن في مواضع أخرى. فيضرب المجرم عند الموت، ويُبشر بالعذاب، مع حزنه على ما فاته من الدنيا، وقلقه أصلا من الموت.. أي لحظة تلك! أي شدة وأي صعوبة وأي بؤس وأي شقاء؟!
ولذلك فإن العُبّاد والصالحين كانوا يعملون لتلك اللحظة وما بعدها كثيراً، ويقومون لأجلها بالليل يصلّون قانتين لله تعالى، كما قال سبحانه: (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ)
وكما قال سبحانه -كذلك-: (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)
اللهم ارحمنا يا رب وأحسن ختامنا يا حليم يا كريم.

ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً
والناس حولك يضحكون سرورا

فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا
في يوم موتك ضاحكاً مسرورا