الآن قلبي اطمأن

لم يطمئنّ قلبي قطُّ لبرنامج “قلبي اطمأنّ”، وآسَى كثيرًا على كمِّ الحفاوةِ التي يلقاها والرَّواجِ الذي حظيَ به رغمَ كلِّ ما فيه، منذُ الحلقةِ الأولى التي شاهدتُها أوجعني قلبي لكلِّ هذا الإذلالِ وإهدارِ القيمةِ الذي يلقاهُ المساكينُ بظهورِهم على الشَّاشاتِ ليراهمُ العالمُ العربيُّ كلُّه وهم يتقاضون الصدقاتِ ويبكون لها، عورةُ الضعفِ والانكسارِ التي فيهم إن كانت تحثُّ المُشاهدَ الرَّئيفَ على شيءٍ فإنَّها تحثُّه على ألا يكونَ نطعًا عديمَ الحسِّ يُعذِّبُ المساكينَ بالظهورِ لكي يضعَ في أيديهم من مالِ اللهِ الذي في يدِه!

قديمًا، في أيَّامِ عزِّ الدولةِ العثمانيَّة، كانتْ الصدقاتُ تُعطى للمساكين من جُحرٍ صغيرٍ في جدار، لا يتسعُ الجحرُ لأكثرَ من يدِ المسكينِ فلا يرى المُتصدِّقُ وجهَ مَن يُعطيه المالَ ولا يعرفُه، وكانَ الجميعُ يتصدَّقُ حتَّى لتفيضَ الصدقاتُ في أماكنِها، وحتَّى ليمرَّ الناسُ على مالٍ مودَعٍ في جُحورٍ في الطرقِ فلا ينقصُ المال، كانوا يُنفقون دونَ أن يُذِلُّوا أو يُشهِّروا، واليومَ يطلعُ علينا “غيث” يُشهِّرُ بالمحتاجين ضحايا الأنظمةِ ليُصوِّرَ لنا برنامجَه الذي يفخرُ فيه بقوميَّتِه الإماراتيّة والذي يظهرُ للعاقلِ منه ظهورَ الشمسِ أنَّه محاولةٌ سياسيّة لتنظيفِ وساخاتِ الإماراتِ وتلميعِ صورتِها أمامَ المُشاهدِ العربي بعدَ كلِّ جرائمِها في حربِ اليمن وفي الثورةِ السوريّة وفي انقلابِ مصر وفي مواقفِها المُخزية من القضيّة الفلسطينية وفي غيرِها من المواقع، ثمَّ يقولُ لنا المُتابعون الأذكياء -حمى اللهُ العقولَ- أنَّ البرنامجَ يحثُّ على الإنفاقِ وتركِ الأثر!

على أيِّ شيءٍ يحثُّكم البرنامجُ لتتركوا أثرَكم؟ أعلى وجوهِ المساكين يا أفاضل؟ هل هانَ لديكم أن يُفضحَ عبدٌ من عبادِ اللهِ على الفضائيَّاتِ يقولُ اسمَه ويشرحُ حالَه وهو يأخذُ صدقة؟ هل هذا هو ما يحثُّكم؟ ألا تتحركُ حماستُكم بغيرِ انكساراتِ المُحتاجين؟ ألم تسألوا أنفسَكم مرةً: ماذا سيشعرُ أبناءُ هذا الرجلِ في مدارسِهم وبينَ أقرانِهم بعدَ أن رُئي أبوهم وهو يمدُّ يدَه؟

رحمَ اللهُ المساكين؛ ما زالَ يتخذُهم الأفرادُ والمؤسساتُ قرابينَ للشهرةِ واستدرارِ الإعجابِ وتحقيقِ الأغراضِ السياسيّة، وما زالت شعوبُهم عمياءَ العاطفةِ والبصيرةِ تُصفِّقُ لصاحبِ المالِ وتُدغدغُ حماستَها ومشاعرَها دمعةُ المُحتاجِ وانكسارُه!