درس كورونا: التحرر من التبعية الطبية للخارج (خبير مغربي)

الأناضول

سعيد الصديقي أستاذ العلاقات الدولية للأناضول:
على الرباط تعزيز التعاون الطبي مع الدول المتقدمة لتحقيق ما يمكن من اكتفاء ذاتي
لن يحدث تغيير عميق في بنية النظام الدولي إلا إذا حدث انهيار كبير لاقتصاديات دول كبرى وهذا مستبعد
المغرب يعتمد على نفسه في مواجهة “كورونا” ولم ينتقد أي دولة صديقة لتقصيرها في مساعدته ولا يوجد ما يستدعي مراجعة سياسته الخارجية
الفيروس قد يجمد خلافات سياسية مؤقتًا لكن لن يحلها أو ينهيها وربما يؤزم خلافات مثل اليمن وليبيا وسوريا
“كورونا” سيؤثر على سياسات التسلح لكن لن يدفع الدول إلى مراجعة جذرية لهذه السياسات فالأمر يرتبط بأمنها

قال سعيد الصديقي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سيدي محمد بن عبد الله بمدينة فاس (حكومية) شمالي المغرب، إن أحسن درس لجميع الدول من وباء فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) هو “التحرر من التبعية للخارج في ما يتعلق بالأمن الدوائي بمعناه العام”.

وأضاف الصديقي، في مقابلة مع الأناضول، أن “هذا الوباء سينعكس على السياسات العامة المرتبطة بالقطاع الصحي، سواءً فيما يتعلق بالبنيات الصحية أو تكوين العنصر البشري الكاف، أو البحث العلمي، أو إنشاء صناعة أدوية متطورة وقادرة على الاستجابة للحاجيات الوطنية في حالة الطوارئ الصحية”.

وحتى مساء الأحد، أصاب الفيروس 919 شخصًا في المغرب، توفى 59 منهم، وتماثل 66 للشفاء، ما دفع السلطات، في 19 مارس/ آذار الماضي، إلى إعلان حالة الطوارئ الصحية وتقييد الحركة في المملكة حتى 20 أبريل/ نيسان الجاري، ضمن تدابير أخرى للسيطرة على الفيروس.

وإجمالًا أصاب الفيروس أكثر من مليون و252 ألف شخص في العالم، توفى منهم ما يزيد عن 68 ألفًا، وتعافى أكثر من 257 ألفًا.

ودعا الصديقي المغرب إلى تعزيز التعاون الطبي مع الدول المتقدمة، للاستفادة من خبراتها في مجال البحث العلمي، لتحقيق أقصى ما يمكن من الاكتفاء الذاتي في مجال الدواء والصناعة الطبية.

ورجح أن “آليات عمل النظام الدولي ستتغير دون شك، لاسيما فيما يتعلق بالتعاون الدولي في أوقات الأزمات وانتشار الأوبئة، لكن يصعب الآن تقدير حجم هذا التغيير”.

واستدرك: “لا أتوقع حدوث تغيير عميق في بنية هذا النظام أو تأثر هندسة العلاقات الدولية الموروثة عن الحرب الباردة (1947: 1991). اللهم إذا حدث انهيار كبير لاقتصاديات بعض الدول الكبرى، وهذا مستبعد؛ فالوضعية حتى الآن تحت السيطرة”.

ومضى قائلًا: “سيفقد العالم أرواحًا كثيرة، وهذا أمر مؤسف جدًا، وسيعم الحزن لفترة، لكن سيستعيد النظام الدولي عافيته تدريجيًا عندما تبدأ الحياة الاقتصادية والاجتماعية تعود إلى وضعها الطبيعي”.

ورأى أنه “توجد مبالغة كبيرة من بعض المحللين، الذي ينذرون بتحول جذري في السياسات الدولية، واستبدال الحلفاء، وهذا أمر مجانب للصواب؛ فنحن أمام وباء، وليس معركة عالمية قائمة على العداء والانتقام”.

واستطرد: “رغم ما تتعرض له الولايات المتحدة الأمريكية خلال هذه الأيام من ضغوط بسبب سوء تقدير إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لخطورة انتشار الوباء، لكن الخسائر البشرية والاقتصادية التي ستتعرض لها لن تزيحها عن قيادة العالم”.

وتابع: “لا تستمد أمريكا قوتها فقط من اقتصادها، بل من عوامل كثيرة، مثل ديمقراطيتها وقيم الحلم الأمريكي، وحيوية شعبها المتفائل دومًا بالمستقبل وبالقدرة على التغلب على المصاعب، ومرونتها الهائلة في استيعاب مختلف الثقافات وجذب ألمع الأدمغة عبر العالم، كل هذا سيجعلها تتعافى أسرع من الدول الأخرى”.

حرية تنقل الأفراد

في محاولة لمحاصرة الفيروس، أغلقت دول عديدة الحدود، وعلقت رحلات الطيران، وعطلت الدراسة، وفرضت حظر التجوال، وألغت فعاليات عديدة، ومنعت التجمعات العامة، وأغلقت دور العبادة.

وبشأن احتمال استمرار تقييد تحرك الأفراد بين الدول لمدة طويلة، قال الصديقي: “قد تكون هناك بعض التدابير الصحية الجديدة لتنقل الأفراد عبر العالم، مثل استعمال تكنولوجية طبية متقدمة في المطارات وباقي منافذ الدخول لقياس حرارة جسم الأفراد وكشف أعراض بعض الأمراض”.

وزاد بقوله: “وستكون الدول أسرع في المستقبل في إغلاق الحدود ووقف حركة الطيران وتقييد تنقل الأفراد عندما تظهر بوادر انتشار وباء جديد. لكن هذا لن يمس حرية تنقل الأفراد أو تقييدها في الظروف العادية، التي ستخضع فيها حركة الأفراد لبعض التدابير الصحية الاحترازية”.

تجميد مؤقت لخلافات

رجح الصديقي أن انتشار هذا الوباء سيجمد مؤقتًا بعض الخلافات السياسية، لكن لن يحلها أو ينهيها، وقد يتسبب في بروز خلافات جديدة ويؤزم بعضها، مثل حالات اليمن وليبيا وسوريا.

وأوضح أن هذا التأزم سيحدث إذا لم تتوقف الدول التي تدعم بعض الأطراف، التي تريد أن تستغل هذه الظرفية الحرجة لتحقيق مكاسب على أرض الواقع، دون مراعاة أن من شأن هذه المغامرات أن تجعل الوباء ينفلت من السيطرة، لاسيما وأن هذه المناطق تفتقد إلى أدنى البنيات الطبية.

وفيما يخص سياسات التسلح، رأى أن كورونا سيؤثر عليها بقدر تأثيره على القطاعات الأخرى الاقتصادية والسياسية والأمنية، لكن لن يدفع الدول إلى مراجعة جذرية لسياسة التسلح؛ فالأمر يرتبط بأمنها الوطني واستمرار وجودها.

السياسة المغربية

بشأن توقعاته للسياسة الخارجية المغربية بعد “كورونا”، قال الصديقي إن “المغرب حافظ على التوجه العام لسياسته الخارجية وحلفائه الأساسيين على مسار واحد منذ الاستقلال (عام 1956)، بصرف النظر عن بعض المنعرجات الظرفية أحيانًا”.

وتابع: ” من الصعب أن نتوقع حدوث تغيير لتوجه السياسة الخارجية للبلاد بسبب وباء كورونا، خصوصًا وأن أصدقاء البلد يواجهون صعوبات أكبر منه في مواجهة هذا الوباء، ولا يتوقع منهم الشيء الكثير حاليًا”.

واعتبر أن المملكة كانت واقعية في مواجهة الوباء، وسعت منذ البداية إلى الاعتماد على الذات، باتخاذه تدابير استباقية بتدرج، لكنها كانت سريعة، عكس دول كثيرة، وحتى الآن لم يوجه المغرب انتقاد إلى أي دولة صديقة بالتقصير في مساعدته.

ورأى أنه “ليس هناك ما يدعو إلى مراجعة السياسة الخارجية للرباط حاليًا، فالبلاد تعتمد على ما لديها من إمكانية وما تستطيع الحصول عليه من الأسواق العالمية، لاسيما الصين وكوريا الجنوبية، وحصلت على دعم مالي مهم من الاتحاد الأوروبي، وقد تتلقى دعمًا أيضًا من باقي حلفائها الغربيين”.

وأعلن الاتحاد الأوروبي، في مارس/ آذار الماضي، تخصيص 450 مليون يورو لدعم المغرب في مواجهة الفيروس.

وختم الصديقي بالتشديد على أن “المغرب الآن يواجه الوباء بتدابير استباقية، ولا يواجه أعداء أو مناوئين دوليين حتى يضطر لتغيير سياسته الخارجية”.