هذه إسطنبول مرة أخرى!

ناداني خاطرٌ حزين، قال لي: مقامك حيث أقامك! لا مكانَ لكَ اليومَ يا صاح إلا بمنزلة الاستغفار! فصِرتُ أسمع صوتًا من أعماق فؤادي، يتكسّر موجُه هونًا على شط لساني: ربّ اغفر لي! رب اغفر لي!

ها أنا ذَا محمولٌ على سيارة، كنتُ مريضًا جِدًّا! لكني كنتُ على وَعي بما أسمعُ وأشاهد.. كل شيء أدركه الآن، هذه الطريق الكبرى وسط إسطنبول، وهذه قبابها ومآذنها عن اليمين وعن الشمائل، تلقي بأنوارها في كل اتجاه.. وهذا هو الجسر العظيم، هو جسر نُصِبَ حديثًا، لكنه منصوب على تاريخ الفتوح بين آسيا وأوروبا! فلم يزل بعد ذلك قنطرةً لعبور النور الجديد إلى المستقبل!

وهذا… آهٍ! هذا مستشفى “سماء” مرة أخرى! وهنا أدركتُ للتو مقامي! وعرفتُ أنني قد أخفقت في الامتحان الأول! فاستأنفت دروسي بفصول المدرسة الأيّوبية من جديد!
سنة كاملة يا سادتي وأنا أجري بين غروب وشروق! سنة كاملة وأنا أظن أني كنت أغسل أدران الروح عن بدني، ولكني اكتشفت الآن أنني لم أبرح مكاني! فعدت مثقلا بكل ذنوبي! لقد أخطأت الطريق إذن! فكان الحكم أن أعيد الدرس من البداية! فالرحمةَ الرحمةَ يا الله!

كان رأس السرير مُيمّمًا نحو القبلة، وكانت النوافذ الكبيرة مشرعة الأحضان على بحر مَرْمَرَة، والْجُزُرُ الخَمْسُ وَسَطَهُ كلها تنتصب أمامي كالأعلام.. كانت الشمس على وشك الغروب خلف قَدَمَيَّ، وكانت أشعتها تطرز مَرْمَرَةَ بمرثية الأشجان! وترسل إليَّ أهازيج من أذكار المساء، مُرَتَّلَةً عبر أوراق شجرة الدُّلْب المنتصبة خلف نافذتي! حتى إذا مات النهار شاهدت جنازتي ترتفع أمامي في أفق البحر الغارب، وتذكرت صلاتي! أدَّيْتُ العشاءين جمعًا وقصرًا؛ استباقا للحظة الوصل، ثم بكيت! كان الليل قد أشرقتْ مواجيدُه سُرُجًا تتلألأ في جزر البحر، وكانت مصابيح الساحل تحلم خافقة بشيء ما.. وغمرني الحنين إلى أورادي، فما أن شرعتُ في ترتيل مواجعها، حتى انهمرت على قفاي صفعاتُ الرحمة تترى! هي رحمة نعم لكنها صفعات! وكان الألم يا سادتي شديدًا!
ثم تذكرتُ.. آه! واسترجعتُ الدرسَ: لا ميلاد إلا بألم! فاظفر بثاني المولدين تَرِبَتْ يداك! ثم ناديت في ليل البحر الساجي: الرفقةَ الرفقةَ! يا نِعْمَ الأميرُ أميرُها، ويا نِعْمَ الجيشُ جيشُها!

ألم يقل لي: هذا زمان نهاية الجغرافيا وميلاد التاريخ!؟
نعم ولكنْ، رِفْقًا بقلبي الضعيف عن الطيران! فإنما شأني أن أحتضن مواجيد المكان منـزلةً منـزلةً؛ عسى أن أبحر من موانئها بَعْدُ في مقامات الزمان! ذلك ما يقتضيه عجزي الحالي، فليس للمريد مثلي إلا أن يجلس متعلمًا بمقام الأدب!

هذه واردات النور تتدفق جداولُها بين يديك الآن يا صاح! فاحمل عصاك على كتفيك، وارحل سائحا نحو شرق الروح؛ بحثًا عن منابعه الأولى! فلعلك تدخل زمان الفتح، وتكتشف سر البكاء؛ فَتُشْفَى!

  • فريد الأنصاري، رحمه الله