“رأيت الموت ست مرات”.. يوميات ناجٍ من السجون السورية

المصدر : ميدل إيست

في عام 2013، سُجن أبو حسن في قاعدة عسكرية بدمشق بسبب مشاركته وتنظيمه للمظاهرات عند قيام الثورة السورية، ولأكثر من عام ظل يحمل جثث زملائه السجناء من ضحايا التعذيب إلى مقبرة جماعية يدفنون فيها.

وقد روى أبو حسن للقسم الفرنسي من موقع ميدل إيست آي، مشاهد التعذيب والمعاناة والعنف الذي تعرض له أثناء الاحتجاز في السجن، عندما قابله في تركيا قرب الحدود السورية.

يقول الموقع إن جسد أبو حسن كله يروي المعاناة التي خاضها، فقد قال إنه رأى الموت ست مرات، كما أراهم -قبل أن يبدأ سرد قصته التي حكى تفاصيلها بدقة- عينه اليمنى التي أجرى الأطباء في الأردن عدة عمليات جراحية لتركيبها، بدل العين التي شوهها جنود الرئيس بشار الأسد في السجن، كما أراهم الكدمات والندوب وذراعه المتصلبة ويده التي لا تقبض.

حسبوها نهايتي
تبدأ قصة أبو حسن (26 عاما) في مارس/آذار 2011، مع بداية المظاهرات التي انطلقت ضد النظام السوري، عندما انخرط هذا الجزار المتزوج إلى جانب شباب سوريين في الثورة، وأصبح أحد قادة الاحتجاج في مدينته دوما غرب دمشق، وتولى مسؤولية تنظيم المسيرات.

اعتقل أبو حسن أول مرة عام 2012 ثم أطلق سراحه بعد شهرين، ولكنه -رغم معرفته أن اسمه أدرج في قائمة المطلوبين- رفض ترك صفوف الثورة، فقُبض عليه مرة أخرى عام 2013 مع زوجته الحامل وطفلهما الأول، ونقلوا جميعا إلى السجن في القاعدة العسكرية 227 بالعاصمة السورية.

وبمجرد وصوله إلى السجن بعد فصله عن زوجته وطفله، اقتنع أبو حسن أن مصيره الإعدام، يقول “لقد عذبوني دون أن يغطوا عيني، ورأيت وجوههم وعرفت أسماءهم، لم يظنوا أنني سأنجو من هذا الجحيم”.
وفي يوم من الأيام -كما يروي السجين السابق- “قرر رجال الأسد أنني سأكون الشخص الذي يجمع الجثث. فكنت أترك زنزانتي كل صباح مع ثلاثة معتقلين آخرين، ويدخلوننا إلى غرفة كبيرة ترقد فيها جثث تحمل كلها آثار تعذيب”.

ويقول أبو حسن إنه شاهد الجثث التي سرّب صورها المصور العسكري “قيصر” الذي تمكن من التسلل من سوريا حاملا أكثر من خمسين ألف صورة لجثث عذب أصحابها عام 2015، وكانت سببا في فتح مكتب المدعي العام في باريس تحقيقا جنائيا ضد الحكومة السورية لارتكابها جرائم ضد الإنسانية، “لقد عرفت العديد منهم. وبكيت كثيرا في البداية، ولم أستطع إخراج هذه الصور من ذهني”.

يقول أبو حسن الذي أرغم على نقل هذه الجثث إلى شاحنة لإجلائهم إلى مقابر جماعية، إن بعض أصحابها تعرضوا للتعذيب من خلال ما يسمى بآلية “الكرسي المقلوب”، التي تضع ضغطا كبيرا على العمود الفقري، مما يلحق به ضررا بالغا وأحيانا ينكسر فيموت الضحية فورا، “لم أتخيل قط أن البشر يمكن أن يكونوا مشوهين للغاية”.

تصل السيارة فارغة و”رائحة الموت تنبعث منها” كما يتذكر اللاجئ السوري، وتغادر بعد بضع دقائق لمواصلة جولتها المقرفة في السجون، ثم إلى إحدى المقابر الجماعية في دمشق.

ونبّه أبو حسن إلى أن كل جثة تحمل رقما على رأسها أو جذعها للتعرف إليها، وأكد أنه حفظ هذه الأرقام، ولكن إحصاءه توقف عند الرقم 2450 حين نُقل إلى سجن آخر، ولكن عمليات الإعدام لم تتوقف، بحسب تعبيره.
تشغيل الفيديو

الموتة الأولى
ويقول الموقع إن هذه كانت المرة الأولى التي يتحدث فيها أبو حسن عن هذا الجحيم، فكان يحاكي الشاحنة الممتلئة والجثث التي مات أصحابها من الهزال، لأنه لم يجد الكلمات المناسبة للتعبير عما عاناه من الرعب الممزوج بالاشمئزاز والقرف.

نُقل أبو حسن إلى مركز اعتقال آخر بعد تحميل مئات الجثث، وبعد أن أمضى أسابيع في السجن 215 حيث عاش نفس الرعب اليومي، نقل إلى سجن صيدنايا المرعب، وهناك قيد بالسلاسل مثل مئات السجناء الآخرين.

يتذكر أبو حسن ذلك اليوم الذي تعرض فيه للخنق والصعق بالكهرباء، حتى أصبح الألم لا يطاق لدرجة أنه “توفي للمرة الأولى”، ولكنه عاد إلى الحياة بفضل دعم السجناء الآخرين في الزنزانة.

بعد سبعة أشهر، لا يزال أبو حسن ينقل من مركز احتجاز إلى آخر، يقول “هذه المرة كانت إدارة الأمن القومي المعروفة باسم الفرع 285، حيث العديد من أجهزة المخابرات، هنا لم أتعرض للتعذيب وأمكنني أكل القليل من الخبز”.

والمفارقة التي عرف عنها فيما بعد أن الرئيس بشار الأسد شخصيا أصدر أمرا بقتله خلال أربعة أيام، إلا أن أمرا آخر مناقضا له وصل من دمشق إلى مركز الاحتجاز يقول “أخيرا تم العفو عن أبو حسن”.

يقول أبو حسن إنه في البداية كان مصدوما ولا يصدق ما يحدث، وعندما سأله أحد الضباط ماذا يريد، رد تحت وطأة الحرمان دون تردد “كوكا وساندويتش بالدجاج”، ثم التهم الوجبة في الفناء، وكانت الأولى منذ عام لم يأكل فيه سوى الأرز وبعض قطع الخبز.

لمّ الشمل
بعد الخروج أدرك أبو حسن -كما روى للموقع- أن اسمه أدرج على قائمة الأسرى الذين تم تبادلهم مع جنود احتجزهم فصيل “جيش الإسلام”، مضيفا “اعتقدت أن عائلتي تعتبرني ميتا، لكنهم في الحقيقة لم يتوقفوا عن القتال لإخراجي من هذا الجحيم حيا”.

ويروي أبو حسن للموقع أن أحد الضباط ذهب به إلى ساحة على الجانب الآخر، حيث رأى زوجته ووالدها، ويقول “عندما رأيتها، سألتها لماذا لم تأت لي في وقت مبكر، أجابت أنا أيضا كنت هناك”، قبل أن ينفجر باكيا ويغطي وجهه بيديه.

عرف أبو حسن أن ابنه الأخير ولد في المعتقل، لكنه لا يعرف التاريخ الدقيق، ولكن لمّ الشمل هذا كان عام 2014، وقد نقل بعد بضعة أيام مع زوجته على متن حافلة من المفترض أن تصل إلى المنطقة التي يسيطر عليها الثوار، ولكن السيارة توقفت فجأة “فاعتقدت أننا عائدون من جديد لهذا الرعب. كنت مع زوجتي، ولم أكن أريدها أن تعود إلى هناك”.

وأخيرا تم التبادل، ووجد أبو حسن وعائلته أن دوما لا تزال تحت سيطرة الثوار، فمكث في مدينته حتى النهاية عندما أجبرهم اتفاق مع الحكومة السورية على مغادرة منازلهم في أبريل/نيسان 2018، لتبدأ رحلة اللجوء.

يختم أبو حسن حديثه بالقول إنه لم يعد يستطيع بذل أي جهد، وحتى إن كان باستطاعته ذلك فإنه يؤكد أن ذهنه مشوش وأنه لم يعد يستطيع أن يركز على شيء بسبب ما عاش وما رأى.