و بشر المؤمنين

{وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً}

هذه الآية تضمّنت دلائل عظيمة ولطائف بديعة، تدبّرها والتفكّر فيها يزيد المؤمن إيماناً ويقيناً ومحبّة لله تعالى، وبصيرة في دينه.
فمن ذلك تصدير الآية بالأمر بالتبشير؛ لما للتبشير من أثر عظيم على النفس البشرية؛ فهو ينمّي الرجاء في القلب ويعظّمه، ويشرع أبواب الأمل، ويعين على الاجتهاد في العمل، ويدفع عن النفس كثيراً من كيد الشيطان وتوهينه وتضليله؛ فإنّ عين البصيرة إذا انفتحت على سبيل الفضل والتكريم، وأيقنت بحسن عاقبة سلوك هذا السبيل لم تلتفت إلى غيره.
وتبشير الله تعالى لعباده المؤمنين دليل من جملة دلائل على عنايته تعالى بهم، ومحبته لهم، ولهذه العناية والمحبة آثارها العظيمة المباركة، فهي محبة من لا يعجزه شئ، ولا يخفي عليه شئ، ولا يغيض من ملكه كثرةُ عطائه.
ومما يدل على تأكيد عناية الله تعالى بهم ومحبته لتبشيرهم؛ أنه كرر الأمر على نبيه صلى الله عليه وسلم في القرآن مرارًا أن يبشرهم، فورد قوله تعالى:{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} بهذا اللفظ في القرآن في خمسة مواضع، وورد أيضًا في موضعين: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا}، وفي موضعين: {وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}.

وما يقوم في قلب المؤمن عند تلقّيه البشرى من الله تعالى ومن نبيّه صلى الله عليه وسلم له اعتبار عظيم عند الله جلّ وعلا، وقد تضافرت النصوص على أن تلقّي البشرى بالقبول والشكر والفرح بفضل الله تعالى من دلائل الإيمان ومن موجبات رحمة الله تعالى ومحبّته لمن يقوم بقلبه تلك العبادات التي يحبّها الله.
كما أنّ الإعراض عن تلك البشرى، ومقابلتها بالتشكيك والتهوين، من دلائل مرض القلب ونفاقه، واستحقاقه للحرمان من فضل الله تعالى.
فإنّ نظر الله تعالى إلى القلوب والأعمال لا إلى الصور والأجسام.
فالمؤمن الذي يتلقّى البشارة التي تأتيه من الله بقلب منيب إلى الله فرح بفضله ورحمته شاكر لنعمته يرجى له أن يهديه الله إلى فقه دلائل تلك البشرى العظيمة ، ومعرفة مقاصدها، والتبصّر بشروطها وآثارها وآدابها وما أراد الله تعالى من عبده المؤمن بها؛ فإنّ فقه ذلك من العلم الجليل ، بل هو صفو العلم وخلاصته، الذي يختصّ الله به أهل البصائر وأولي الألباب من عباده؛ فإنّ الخطاب في القرآن أشرف الخطاب، ومعانيه أجلّ المعاني،وشأنه أعظم الشأن؛ فمن عقله وفقه دلائله ومقاصده فقد أوتي علماً عظيماً وخيراً كثيراً.

و ‏من بشائر الدنيا أن لكم في أفق الغيب أقدارًا سعيدة، وعطايا جزيلة، وأيام سعد وهناء جميلة. ‏فما بعد عسر أيامكم إلا يسر الكريم فأبشروا.