شبكات بالدماغ تلعب دورا حاسما في الانتحار

في يوم واحد انتحر شاب تونسي في سيدي بوزيد، وآخر مصري في القاهرة، وثالث لبناني في عرسال، ولم تكن هذه حوادث الانتحار الوحيدة عربيا الأعوام الأخيرة، ولن تكون الأخيرة. إذ يعد الانتحار أحد أسباب الموت الرئيسة في العالم، خاصة بين الفئات المستضعفة.

وتشير الإحصائيات إلى أن حوالي ثمانمئة ألف شخص ينتحرون سنويا. وهو ما يعني أن شخصا واحدا ينتحر كل أربعين ثانية. إضافة إلى ذلك، فإن الانتحار هو السبب الثاني للوفاة عالميا لدى الأشخاص ذوي الفئة العمرية من 15 إلى 29 سنة.

وفي بحث جديد نشر بدورية “مولِكيولار سيكاتري Molecular Psychiatry” يوم الثاني من ديسمبر/كانون الأول الحالي، استطاع فريق دولي من الباحثين في جامعتي كامبريدج وييل تحديد الشبكات العصبية الرئيسة في الدماغ والتي عندما تتفاعل مع بعضها تدل على أن صاحبها يفكر -أو يحاول- الانتحار.

القاتل الصامت
هذا ما تؤكده د. آن لورا هارملن المؤلف الأول المشارك في هذا البحث من جامعة كامبريدج في تصريحاتها التي نقلها موقع يوريك أليرت قائلة “تخيل ضراوة هذا المرض الذي يقتل ما يقرب من مليون شخص سنويا، ربعهم على الأقل قبل سن الثلاثين”.

وأضافت “إننا نجهل الأسباب التي تجعل بعض الأفراد أكثر عرضة من غيرهم لهذا المرض. كما أننا لا نعرف ما يحدث في الدماغ، ولماذا توجد فروق بين الجنسين في هذا المرض، وما الذي يجعل فئة الشباب خصوصا أكثر عرضة للانتحار”.

واستعرض العلماء بقيادة هيلاري بلومبرغ أستاذ الطب النفسي وعلم الأعصاب بجامعة ييل نتائج الدراسات السابقة والتي شملت أكثر من 12 ألف شخص في محاولة منهم لفهم التغيرات التي تطرأ على شكل المخ ووظيفته والتي تزيد من خطر الانتحار.

واستطاع العلماء في النهاية تحديد شبكتين رئيستين في الدماغ بما في ذلك الوصلات البينية فيما بينها، والتي يبدو أنها تلعب دورا هاما في هذا المرض.


تغيرات بالشبكات العصبية
تضم الشبكة الأولى المنطقة الطرفية والوسطية للفص الجبهي البطني للمخ، بما في ذلك اتصالاتها مع مناطق أخرى من الدماغ مسؤولة عن العاطفة. إذ وجد العلماء أن أية تغيرات بهذه الشبكة العصبية يؤدي إلى الإفراط في الأفكار السلبية وصعوبة التحكم بالمشاعر كما أنها تحفز التفكير في الانتحار.

وتشمل الشبكة الثانية منطقة القشرة الجبهية الأمامية الظهرية وأدنى منطقة التلفيف الجبهي. إذ وجد أن التغيرات التي تحدث بهذه الشبكة قد تؤدي إلى محاولة الانتحار، نظرا لدورها في صنع القرار وإيجاد حلول بديلة للمشاكل وكذلك قدرتها على التحكم في السلوك.

وقد استنتج العلماء أنه إذا تغيرت كلتا الشبكتين سواء أكان ذلك التغير في شكلها أو وظيفتها أو كيميائيتها البيولوجية، فإنها تؤدي إلى تفكير الفرد بسوداوية المستقبل. كما أنها تجعل هؤلاء الأفراد غير قادرين على التحكم في أفكارهم. ومن ثم تجعلهم أكثر عرضة للتفكير في الانتحار.

يقول بلومبرغ “تقدم هذه الدراسة دليلا علميا يعزز من إيجاد مستقبل واعد جدا نكتشف فيه حلولا جديدة ومحسنة لتقليل خطر الانتحار. إذ إن اختلافات دوائر الدماغ -والتي أكدتها العديد من الدراسات السابقة- تعتبر في حد ذاتها أهدافا مهمة لإيجاد إستراتيجيات ناجزة وفعالة لمنع الانتحار”.

دراسات مستقبلية
يرى الباحثون أننا بحاجة لإجراء المزيد من الأبحاث التي تختبر تعلق نموذجهم المقترح بمحاولات الانتحار المستقبلية. كما أننا بحاجة أيضا لإيجاد علاجات قادرة على تغيير شكل أو وظيفة شبكات الدماغ هذه، وبالتالي قد تقلل من خطر الانتحار.
اعلان

ونحن بحاجة أيضا لإجراء المزيد من الأبحاث لدراسة الفروق بين الجنسين ولماذا تزداد معدلات الانتحار في الفئات الضعيفة، وكما تقول د. هارملن “نحن بحاجة ماسة لدراسة تلك الفئات وإيجاد سبل مساعدة وداعمة لهم”.

وتقول د. ليان شميل من جامعة ملبورن والمؤلف الأول المشارك بهذه الدراسة “إن قام أحد الأفراد بمحاولات انتحار سابقة فإن هذا يعد أكبر مؤشر للتنبؤ بأنه أكثر عرضة للموت بالانتحار. لذا من الضروري أن نتدخل في أقرب وقت ممكن للحد من مخاطرة هذا الفرد بارتكاب الانتحار. وفي غالب الأحيان سيكون ذلك خلال فترة المراهقة”.

واختتمت بالقول “إن استطعنا العمل لإيجاد وسيلة ما لتحديد من هم أكثر عرضة لخطر الانتحار من الشباب، فإن هذا سيمنحنا الفرصة للتدخل ومساعدتهم بهذه المرحلة الهامة من حياتهم”.