نفائس الحديث منتساؤلات القارئ المتأمل

الكاتب : سفيان أبوزيد

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ»

نفائسه:
لماذا كان الماحي من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم رغم أن أغلب أهل الأرض لازالوا كفارا؟ وهل جاء لمحو الكفار؟ وأين حرية التعبير والاعتقاد في الإسلام من هذا الاسم؟

أولا- لنتأمل كلمة (الماحي) وهي اسم فاعل من محى واسم الفاعل يدل على التجدد والحدوث والاستمرار، أي أن فعل المحو متجدد مستمر ولم تنتهي عمليته… ولا يدرى متى تنتهي ولكن الذي يدرى هو استمرار فعل المحو…

ثانيا- نأتي إلى هذا الأصل الذي هو فعل المحو، فسنجده في اللغة يدل على الإذهاب، وإعفاء الأثر، والإزالة، والمحوة المطرة تمحو الجدب، والمحو العفو، والمحو الملق والغسل، والملاحظ أن هذه المعاني كلها تصب في معين الإذهاب والإنهاء سواء للشيء أو لأثره…

والمحو عملية محايدة، تميل إلى الحمد أو الذم حسب الممحوِّ، فمحو صورة جميلة يكون في الغالب مذموما وقد يلام فاعله، ومحو لفظ بذيء يكون محمودا فيثنى على فاعله..

ثالثا- الذي وقعت عليه عملية المحو هنا هو الكفر،وهو مفهوم وفكر، ومحو الفكر يكون بالفكر والحجة والبرهان، وليس بالسيف أو العنف أو القمع أو الكتم أو الكبت، فالمعركة هي معركة فكر وحجة بحجة ودليل بدليل، ولا شك ولا ريب أن حجة النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرة، واضحة جلية قوية، لا تصمد أمامها أي حجة، والواقع خير دليل والتاريخ خير ناطق، أن حجة النبي صلى الله عليه وسلم المتمثلة في الدين الذي جاء به وفق مقاصده، محاية لكل فكر أو اعتقاد أو منهج آخر معارض أو مناقض أو مبطل… وأجلى وآصل صور تلك المعارضة والمناقضة هي الكفر، وما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلا لإذهاب الكفر..
والحديث لا يتحدث عن إذهاب أو استئصال الكفار، لا من قريب ولا من بعيد، ولو كان الأمر كذلك لروت لنا السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بحملات إبادة لكل كافر، ولم يحدث ذلك، بل لم يكن مقصودا ولا مرادا، وإنما عاش الكفار بشتى أديانهم بأمن وأمان معه وبجواره إلا من غدر أو أعان على غدر، فهو صلى الله عليه وسلم ماح للكفر بالحجة والبرهان والدليل والإقناع، وليس للكفار…
وقد وردت رواية رواها الطبراني في الكبير ” يمحو الله بي الكفار” فهي محمولة على الرواية المشهورة ” يمحو الله بي الكفر” لأن محو الكفر من العقول هو تنظيف لعقول معتنقيه، بما يروه من قوة الحجة وجمال القدوة، هناك ينفرط عقد الكفر ليلتحق بقلائد الإيمان..

رابعا- ومن دلالات المحو العفو، فهو صلى الله عليه وسلم المسامح الرحيم المتجاوز، الذي يقبل توبة التائب وعذر المعتذر، وإسلام المحارب، فلا يرد أحدا ولا يستدبر أحدا صلى الله عليه وسلم..

ومن دلالات المحو إذهاب الأثر والغسل والملق، فقد جاء صلى الله عليه وسلم ليذهب مفاسد الكفر الفكرية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، جاء ليقيم الفضيلة مكان الرذيلة، والعدل مكان الظلم، والصلاح مكان الفساد، وجاء لتغسل بسببه الذنوب والمعاصي والآثام، جاء ليذهب ظلمات الضلال ويعيد أنوار الهدى…

ومن دلالات المحو إمطار الجدب من الأرض، فالكفر جدب والإيمان غيث، فجاء صلى الله عليه وسلم غيثا مغيثا للأرض وأهل الأرض لإحقاق الحق وإزهاق الباطل…

هذا هو المحو الذي سمي به الماحي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا..

والله أعلم