كماتدين تـُدان

بقلم الشيخ كمال خطيب حفظه الله

أراد حيّ من أحياء العرب أن يرحلوا إلى مكان فيه ماء وكلأ، لأن الأرض التي كانوا فيها قد أجدبت ولم تكف لإطعام ماشيتهم. وكان من هؤلاء رجل له أمّ عجوز وهو وحيدها وقد بدأت تفقد ذاكرتها وتهذي في كلامها، وتعلقت بوحيدها إذ تريد أن تذهب حيث ذهب وتخرج معه إلى حيث شط حتى أنه ضاق ذرعًا بها.
ولمّا جاء يوم الرحيل عن تلك الأرض قال الرجل لزوجته: إذا رحلنا غدًا فاتركي العجوز في المكان واتركي معها زادًا وماء فلعلّ أحد يمر فيأخذها أو تموت أو تأكلها الوحوش فنرتاح منها.
فقالت الزوجة لزوجها أبشر سأفعل ما تريد. وفعلت المرأة ما أمر زوجها لكنها أبقت مع العجوز طفلها الصغير.
حمل القوم متاعهم وركبوا جمالهم وخيولهم ومشت أمامهم ماشيتهم وقطعانهم. وعندما انتصف النهار وجلسوا للرّاحة قرب واحة فيها ماء وشجر، نادى الرجل زوجته أن ترسل إليه طفله ليلاعبه ويطمئن عليه، فكانت المفاجئة أن قالت له الزوجة: لقد تركته مع أمك، فنحن لا نريده. فصرخ فيها: وكيف لا نريده وهو ابننا. فقالت: لأنه عندما يكبر سيرمينا في الصحراء كما رميت أمك، فلا حاجة لنا به. فهم الرجل مغزى ورسالة ومعاني كلام زوجته له “إنك إن فعلت هذا اليوم بأمك فإن الله سيعاقبك بابن لك يفعل ما فعلته أنت بها، فكما تدين تدان والجزاء من جنس العمل”.
أسرج الرجل فرسه وعاد مسرعًا إلى حيث كانت تسكن القبيلة قبل أن يقع السوء على أمه وابنه ليجد مجموعة من الذئاب قد أحاطت بأمه العجوز، بينما هي تحتضن الطفل بيد وباليد الأخرى ترمي الحجارة على الذئاب تحمي حفيدها. ارتمى الرجل على أمه وطفله، وأخذ يقبّل رأسها ندمًا على فعلته ورجع بها إلى قومه، وأصبح لا يخرج من الحيّ إلا أن يحمل أمه عن الناقة ويسير هو خلفها على فرسه، وليس هذا وحسب بل ازداد حبًا واحترامًا لزوجته الفاضلة العاقلة التي كانت هي السبب في تعليمه ذلك الدرس في برّ الوالدين.
وما أجمل ما قاله المرحوم الشيخ مصطفى السباعي لمّا قال: “ليس في الدنيا إنسان يتحمل العذاب راضيًا مختارًا في سبيل غيره كالأم في سبيل ولدها، وليس في الدنيا إنسان يتعرض للجحود ونكران الجميل كالأم من ولدها وهذا من أعجب مفارقات الحياة.

إنها الأم والأم فقط من عاشت وماتت وما ملّت من العطاء، إنها لم تطالب بجزاء ولا شكت من قلة الوفاء من الأبناء ولا ضعفت في حبها ولا وهنت، وإنما هي التي تكمل وبكل الحب حنان الأبناء تحمله إلى الأحفاد، تعود لتربيتهم وترعاهم لأنهم أبناء فلذة كبدها ولسان حالها يردد: ما أغلى من الولد إلا ولد الولد. وهل يقدر على جزاء الأم إلّا رب العالمين سبحانه؟