الإسلام والدولة المدنية

مجد الطباع

يعتبر الكثيرون من حيث المبدأ الدولة الإسلامية المعتمدة على التشريع الإلهي خصمًا للدولة المدنية المعتمدة على التشريع الوضعي، ولكن هناك نقاط التقاء بين كلتا الدولتين لا يمكن تجاهلها مطلقًا.

الدولة

لقد تم استخدام مصطلح الدولة منذ القدم، حيث إن فلاسفة اليونان قد شملوا هذا المصطلح في كتاباتهم، فمثلًا تناول أرسطو مفهوم الدولة على أنها تلبّي الاحتياجات المختلفة للأفراد كالاقتصادية والأمنية.

تعرّف الدولة على أنها مساحة من الأرض، تم الاعتراف بها دوليًّا، ويعيش عليها مجموعة من السكان المقيمين عليها، والذين تنظمهم سلطة اجتماعية وسياسية.

الإسلام رغم أنه دين يتعلق بالعبادات والشعائر بشكل كبير لكنه أسس منذ بداياته نواة لدولة إسلامية حقيقية حكمت مساحات من العالم لمئات السنين.

إن هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة قد أنشأت كيانًا سياسيًا فيها وقد حقق هذا الكيان أركان الدولة الثلاثة من الأرض والشعب والسلطة.

الأرض والشعب هي المدينة وساكنيها أما السلطة فقد تم التأسيس لها منذ بيعتي العقبة الأولى والثانية وصولًا إلى ما عرف بدستور المدينة. لذلك يمكن أن نطلق على هذا الكيان صفة دولة. وهذه الدولة لم تنشأ كمطلب ديني إنما كحاجة موضوعية فرضتها الظروف المرافقة للدعوة الإسلامية.

اعتمد الرسول ﷺ والخلفاء من بعده على فرض قوانين مدنية لتسيير الحياة بما يناسب المرحلة الزمنية في ذاك الزمان فكانت القوانين الصادرة عنه مناسبة لزمانه وترك فيها القياس لمن يأتي من بعده.

كان تأسيس مجلس الشورى أيام الحرب من أهم أسباب انتصار الرسول في تلك الغزوات، كما بقيت الخطط العسكرية لغزواته محفوظة في المتاحف قرون عدة.

لقد استطاع الرسول عليه الصلاة والسلام بناء دولة مدنية رغم تعدد الأديان والطوائف ورغم اختلاف القبائل وإن في مساحة ضيقة استطاعت خلال السنوات العشر تحقيق صفات المدينة الفاضلة التي كتب عنها أفلاطون.

مدنية الدولة في الإسلام:

ستتم المقاربة على النص الديني، وعلى الممارسة والتشريع في ضوء تجربة الدولة التي أقامها الرسول ﷺ في المدينة، وامتدادها في العهد الراشدي، مع التأكيد على أنها بالضرورة بنت ظرفها الموضوعي، الزماني والمكاني، فهي ليست تجربة قابلة للنسخ واللصق عبر أربعة عشر قرنًا من الزمان.

إن الإسلام بهذا المعنى يكون قد قدم رؤية لدولة مدنية وإقامة نواتها.

يبقى الخلاف بين رجال الدين الإسلامي ورجل الدستور والسياسة على مصطلح الدولة الاسلامية المدنية مستمرًا حتى اللحظة لفصل رجال السياسة بين الأحكام السماوية والقوانين الوضعية.

لكن ما هو المانع أن تكون هذه الأحكام الوضعية مراعية للتشريعات السماوية وبذلك نكون أمام دولة إسلامية مدنية حقيقية؟