شخصنة الأفكار

بقلم عبد الله محمود

ما زالت أوهام الطّفولة تعشعش في رؤوسنا وأفكارنا مؤثرة على مقايسنا في الإستدلال، فعندما كنت طفلا تمنيت أن أكون مثل “سوبرمان” القوي لأنتقم لنفسي أو لأحلق وأطير، أو لأكون مضادا لرصاص الدبابات في اشتياحات الإنتفاضة الثانية، ولما كبرت عرفت بأنه غير حقيقي، وأن استنتاجاتي الكثيرة تهافتت، وكلما كان يأتي بطل سرعان ما يأفل ويختفي، وكنت أصاب بخيبة أمل وأحاول باحثا عن بطل آخر، ولكني لما كبرت عرفت أنها لم تكن مشكلتي لوحدي، ولا مشكلة كل الأفراد، بل هو داء تصاب به الأمم. 

تبدأ المشلكة منذ الصغر تتشكل في اللاوعي الطفولي الذي يشعر بالعجز، ويرى بأن هذا الكبير بالضرورة قوي وقادر على فعل أي شيء، ويبدأ الطفل بإتخاذ صورة لبطل يمثل نموذجه وتساهم القصص الشعبية في تجسيد صورة البطل الإسطوري، التي تمثل القوة المطلقة التي تأتي بالخوارق وتجابه التحديات، وتتحلى بكل الفضائل، وكل صفات الشهامة والكرم، وكذلك صور الإحتماء بالأولياء والزعماء المنقذين ،وهكذا يتكون الطفل القابل لتلقي أي نموذج ليقدسه، ويترسخ فيه النمط النكوصي في مجابهة واقعه، ويكبر مع أبوين لهما بطل يقدسانه وتساهم المدرسة والإعلام وحتى المساجد في تعظيم صور هؤلاء الأصنام وهكذا عشنا في وهم المنقذ والمخلّص الذي لم يأت حتى الآن، الذي سيحقق أحلام الجماهير بالتحرر، وينتشل الأمة من ضياعها وعثراتها ويرشدها الطريق المستقيم.

إن المشكلة ليست بإتخاذ الرموز والقدوات، ولا أخلط  هنا بينها وبين الإعجاب والإفادة من نتاج مفكر ما، فالله تعالى يقول: “وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا”، ولكنّ شخصنة الفكرة بذلك الرمز فيصبح هو مركزية الفكرة، ومصدرها، ويجعل متلقيها عاجزا عن استيعاب الأفكار، والتعامل معها إلا بالنظر إلى قائلها، والإحتكام لشخصه، حتى أن الفرد بمجرد النظر للقائل يبدأ بترديدها دون الإحتكام لعقله، وبالتالي تتحول الفكرة من مجرد فكرة مجردة، إلى فكرة مجسدة تتمحور في شخص معين، وترتبط بأمور خارجة عن موضوعها ومنهجيتها، ويصبح القائد المغوار، أو الشيخ صاحب الحق وهي صورة من العبودية، وهروب من المسؤولية الفكرية، واتكال على منفذ سحري وتضيع للحق، ورحمَ الله عليّ بن أبي طالب إذ قال: “الحقُّ لا يُعرفُ بالرّجالِ ولكنّ الرّجالَ هُم الذينَ يُعرفونَ بالحقِّ”.

مشكلة الحوار هذه تبدأ كما داء الشخصنة من الطفولة، حيث تقوم التربية الأسرية على قمع الطفل، وهنا ترفضه الأسرة ولا تعلمه فن الحوار، ومن الممكن القول أن كثيرا من الإنقسامات الفكرية، أو السياسية التي وصل إليها حالنا كان لتقديس الرموز.

يقول مالك بن نبيّ “إن خطر التجسيد قد وضعه القرآن صراحة في الوعي الإسلاميّ بقوله: “وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ” وهذا التحذير ليس موجها هنا لتفادي خطأٍ، أو انحرافٍ مستحيل من الرسول-صلّى الله عليه وسلّم-، ولكنه من أجل الإشارة إلى خطر تجسيد الأفكار بحد ذاته”.

وهنا ركز الإسلام على عدم تجسيد المثل الأعلى بشخص ما، وهذا ما ارتد أثره في هذه الأيام، على الشباب الذين انتكست لديهم الصورة الكبيرة للمشايخ الذين ألقوا علينا دروسا في القيم، والدفاع عن الحق، ورد الظلم لعشرات السنوات، وعندما ثارت الشعوب، تغيرت تلك الصورة، وصارت الأفواهُ التي صدّعتْ رؤوسنا بالخطب والمواعظ أول الناعقين باسمِ الظالمين المدافعين عنهم.

وكان هذا الوعي حاضرا يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قال أبو بكر، “ألا من كان يعبد محمدًا ، فإنّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت”، وكان التركيز على هذه الفكرة لأن سائر الإنحرافات التي يرتكبها المثل الأعلى تُسقط على الفكرة نفسها، فترد حقيقتها وتشعر معتنقها بالإحباط، وتصرفه عنها وهو ما حدث للفكرة الإسلامية، إذ سعى أبناؤها لإعتناق غيرها وهو ما تجسد في إنصراف الشباب سواء الملتزمين، أو غيرهم عن المشايخ، والشعور بالإحباط تجاههم وهو ما أضر بالأفكار الإسلامية المتجسدة بأشخاص ليسوا أهلا لحملها، وساد نفور كبير الأوساط العربية، وعرض بهذه الأفكار نحو التطرف والتشويه وضل سعيهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

يظهر الأثر الكبير لهذا النوع من أدوار الأمم على طبيعة الحوار بين الأشخاص، صحيح أنّ الإختلاف أمر صحي ومطلب للحياة، فسماع وجهات النظر الأخرى ومشاركتها ومناقشتها بموضوعية يزيد أفكارنا ثراء، ولكن الفاصل في الأمر هو الأسلوب، والطريقة التي يعبر فيها كل طرف عما يجول بخاطره، فالكثيرون يعمدون في النقاشات لتشويه صورة الآخر وتقزميه، والتركيز على الزلّات والهفوات، مجردين الحوار من أصوله وأهداف الفكرة التي يطرحها المحاور، وهو ما يبرز في النقاشات التي تضعف فيها ثقافة المحاور، وتضعف حجته ويفتقد المهارات الحوارية، وساهمت مواقع التواصل بحكم تداولها بين كل الفئات بشكل كبير في إثارة لغة التشهير، والتجريح، والمبالغة، وصار الكثيرون نقادا ومفتون، وإنعدم إحترام المتخصصين، وفتحت الأبواب على مصراعيها وانتشرت صناعة الأغبياء المشاهير.

إن مشكلة الحوار هذه تبدأ كما داء الشخصنة من الطفولة، حيث تقوم التربية الأسرية على قمع الطفل، وهنا ترفضه الأسرة ولا تعلمه فن الحوار، ومن الممكن القول أن كثيرا من الإنقسامات الفكرية، أو السياسية التي وصل إليها حالنا كان لتقديس الرموز.

وللإعلام دور كبير في تأجيجها فالإعلام لا يفصل بين الأفكار والأشخاص، فهو يضج بالطرح الذي يعمل بحرص على توجيه العقلية نحو التسليم لأفكار معينة، وكثيرا ما ضخم الإعلام أشخاصا وفقا للجاه أو المال أو الميول للفئة الحاكمة، وروّج لأفكار لأن قائلها مرضيٌّ عنه، وتموت الأفكار التي تستحق بشكل إقصائي لأن قائلها في تيار معارض مغضوب عليه، ولو كان في ذلك إهدار للمصلحة العامة، وهذا ما أدى لبروز مظاهر وسلوكيات التعصب للرأي والعنصرية وتخطئة الرأي من خلال تشويه صاحبه، وهي مغالطة يقع فيها الكثير حتّى في البرامج الحوارية التلفزيونية “برامج التراشق اللفظيّ”، التي من المفترض أنّ ضيوفها من النخبة المثقفة.

إنّ الآثار التي لحقت بنا من داء تجسيد الأفكار غرست الكثير من الأمراض، فعلى مستوى الفرد برزت الرؤية الأحادية، والنظرة الإقصائية، وعلى مستوى المجتمع إنقسم إلى أحزاب ذات رؤية أحادية فهي صاحبة الرسالة والخطة الوحيدة للتحرر، منقسمة حتى في الوطن، وكلٌ له رمزه الذي يدافع عنه وعلى مستوى الدين، نرى الجماعات التي حجزت مقاعدها من الجنة، وأغلقت عليها الباب رافضة أي رأي غير رأيها، وظهر التكفير والتطرف والقتل دفاعا عن الأشخاص والمصالح باسم الدين، وغاب الأفراد وراء الرموز واتخذوها دروعا واقية، وذاب الحق في صراع الرموز.