قضية مسجد بابري تكشف “القشرة العلمانية” للهند

بإقرارها أحقية الهندوس في أرض مسجد بابري التاريخي صبت المحكمة الهندية العليا المزيد من الزيت على نيران النزاعات الدينية في دولة توارت فيها العلمانية التي طالما تباهت بها أمام المد الهندوسي المتطرف الذي يهدد مسلمي الهند أكبر أقلية دينية في العالم.

وفي حكمها الصادر أمس السبت تبنت المحكمة وبالإجماع وجهة نظر الطرف الهندوسي على حساب الطرف المسلم، وقالت المحكمة في قرارها إن تقريرا صادرا عن هيئة المسح الأثري للهند يدلل على أن بقايا مبنى غير إسلامي كانت تحت مسجد بابري الذي هدمه الهندوس قبل 27 عاما، ثم قررت منح الأرض للهندوس.
وعلى الرغم من صدور الحكم من أعلى جهة قضائية في الهند فإن التوقيت والسياق اللذين يأتي فيهما يشي بأنه قرار سياسي أكثر من كونه حكما قضائيا، ينزع فتيل أزمة لم تنتهِ، حتى لو تضمن منح المسلمين أرضا جديدة في منطقة أيودا التي يقع فيها المسجد التاريخي بولاية أوتار براديش شمالي البلاد.
توقيت صدور الحكم يأتي مع قرب حلول الذكرى الـ27 لتدمير المسجد في 22 ديسمبر/كانون الأول 1992 حين اقتحم الآلاف من المتطرفين الهندوس -بمن في ذلك بعض الأسماء والقيادات البارزة في حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم- المسجد البابري وهدموه.

ويزعم هؤلاء أن ذلك الموقع يمثل مسقط رأس”الإله” رام سابع أبناء “الإله” فيشنو (حافظ الكون عند الهندوس) على الرغم من أن مدينة أيوديا تضم أكثر من عشرة معابد هندوسية قديمة أخرى، ويدعي كهنة كل معبد أنه يقوم فوق مسقط رأس رام.

وعقب تدمير المسجد اندلعت أعمال شغب واسعة شهدت تدنيس عدد كبير من المساجد في أجزاء كثيرة من الهند، وخلال السنوات التي تلت هدم المسجد التاريخي الذي بني منذ حوالي 500 سنة بدأ المتطرفون الهندوس يتنادون للتحضير لبناء المعبد في موقع المسجد.
مودي يرحب
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الذي سارع أمس للإشادة بقرار المحكمة معتبرا أن “القضية انتهت” يرى في الحكم انتصارا شخصيا له، وهو الذي سبق أن جعل إعادة بناء معبد رام محل المسجد البابري في مقدمة أولوياته.

وخلال الحملة الانتخابية التي جاءت بحزب الشعب الهندي (بهاراتيا جاناتا) الذي يتزعمه إلى الحكم عام 2014 وعد مودي ببناء المعبد، لكنه قرر لاحقا انتظار حكم المحكمة العليا لتحقيق رغبة قاعدته الانتخابية من ملايين المتشددين الهندوس الذين طلبوا من حكومته إصدار تشريع لبناء المعبد مكان المسجد.

وإذا كانت الفترة الأولى لولاية مودي قد شهدت وعدا ببناء معبد رام محل المسجد فإن فترة الولاية الثانية التي بدأت صيف هذا العام ستشهد تنفيذ الوعد محققا بذلك أحد مطالب حزبه القومي الهندوسي المتطرف الذي خرج إلى الساحة السياسية عام 1980 من رحم حركة الهندوسية الأصولية التي تعتبر غير الهندوسي -مسلما كان أم مسيحيا- أجنبيا، وتعتبر الهند دولة هندوسية.

وداعا للعلمانية
هدم المسجد البابري قبل 27 عاما سمم العلاقات بين الهندوس والمسلمين في الهند، وكان بمثابة صرخة معركة من أجل اليمين الهندوسي المتشدد الحاكم الآن في نيودلهي، وشكل بداية النهاية للهند العلمانية التي نادى بها زعماء سياسيون تاريخيون مثل غاندي ونهرو.

ويكرس الحكم الصادر أمس تلك الحالة بما تنطوي عليه من خطورة ومخاوف كان يمكن تجنبها لو أن المحكمة قررت عدم تبعية موقع المسجد الذي تم تدميره لأي من الطرفين مراعاة للحساسية الدينية وتأثيرها على العلاقات المجتمعية في الهند، وضمان حفاظ مؤسسات الدولة على نظرة غير طائفية لضمان العدالة لجميع المواطنين، لكن الجانب الهندوسي كان مطمئنا حتى قبل صدور قرار المحكمة أمس إلى أن القرار سيأتي في صفه.

وأعطى قرار المحكمة السماح ببناء المعبد شرعية لهدم المسجد البابري، ودعمت بشكل غير مباشر تدمير المسجد من قبل الغوغاء من خلال هذا الحكم على الرغم من وصفه هدم المسجد بـ”الأمر غير القانوني”.

ومن المفارقات أن قرار المحكمة جاء في يوم افتتاح “ممر كارتاربور بين الهند وباكستان” تسهيلا لدخول “الحجاج” من طائفة السيخ إلى باكستان التي أبدت بتلك الخطوة تسامحا مع المجتمعات الدينية الأخرى.

لكن الحكم الصادر أمس مثل خيبة أمل لباكستان والمراهنين على بقايا العلمانية في الهند التي ترى أن القرار “سيشجع الجنود المشاة من هندوتف” ويبعث رسالة إلى الأقليات في الهند -خاصة مسلميها- مفادها أن الغلبة الدينية والتكتيكات العنيفة من جانب الأغلبية الهندوسية سيتم التغاضي عنها في الهند في ظل تصدر المتطرفين الهندوس المشهد.

مخاوف
ويزيد من خطورة الأمر أن خلفيات رئيس الوزراء الحالي ناريندرا مودي تؤكد أنه تشرب لسنوات طويلة من معين حركات هندوسية تلتزم بـ”الهندوتفا” التي تعتبر “الهندوسية” مرادفا لـ”الهندية”، مما يزيد قلق العلمانيين الهنود غير الهندوس، وكذلك المسلمين.

وخلال رئاسة مودي لحكومة ولاية كوغرات شهدت الولاية أعمال عنف طائفية دامية عام 2002 وهجمات على بيوت المسلمين أدت إلى مقتل ألف شخص منهم، واتهم مودي آنذاك بأنه شجع أعمال العنف ولم يبذل جهدا لحماية المسلمين.

وذهب مودي في تحديه لهم بأن عين في حكومته امرأة أدينت في الهجوم على بيوت المسلمين، وبسبب موقفه ذلك والشبهات التي أثيرت حوله فإنه منع من دخول الولايات المتحدة، وقد رفع عنه الحظر مؤخرا لأن القضاء لم يوجه إدانة إليه، بعدما بدا أنه في الطريق لأن يرأس حكومة الهند كلها.
وفي يوليو/تموز 2013 عاد مودي ليثير غضبا وضجة كبيرة عبر تصريحات قارن فيها بين المسلمين الذين سقطوا ضحايا أعمال عنف قام بها الهندوس والجِراء التي تدعسها السيارات في الشوارع.

بهاراتيا جاناتا ليس متعصبا للقومية فقط ولكنه متعصب للديانة الهندوسية أيضا، وذلك هو السبب في رفضه المسلمين والمسيحيين والعلمانيين أيضا، رغم أن معركته الأساسية ضد الوجود الإسلامي ليست فقط بسبب العدد الكبير للمسلمين ولكن أيضا لأن لهم وجودهم وآثارهم التي بقيت على الأرض.

ولا يقتصر هذا العنف على المسلمين فقط، فقد ذكرت منظمة حقوقية فرنسية في مايو/أيار الماضي أن أعمال العنف ضد المسيحيين في الهند في تصاعد مستمر منذ صعود ناريندرا مودي إلى السلطة، مشيرة إلى أعمال عنف متنوعة شملت قتل أفراد بحجة أكل لحوم البقر.

إسرائيل ملهمة
الهند في ظل حكم مودي تواصل تعزيز علاقاتها مع إسرائيل، ولا يخفي مودي وحزبه إعجابهما بإسرائيل، ولذلك تخلى عن سياسة الهند التقليدية المؤيدة للفلسطينيين، وزار إسرائيل مرتين أبدى خلالهما إعجابه بالإنجازات الاقتصادية والتكنولوجية، ومن المقدر أنه سوف يبحث عن المزيد من التعاون في القضايا الاقتصادية وتبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن الإرهاب.

أدبيات الحركات الهندوسية المتطرفة التي جاء مودي من رحمها ترى في وجود المسلمين تعكيرا لنقاء الدولة المنشودة، فوضعت نصب أعينها “تطهير” البلاد من الوجود الإسلامي .

وترى هذه الحركات وجوب “إزالة كل أثر إسلامي في البلاد، وتخيير المسلمين بين العودة إلى ما يعتبرونه أصولا هندوسية لهم أو مغادرة البلاد إلى أي مكان آخر، باكستان أو بنغلاديش”.

الأدبيات الهندوسية المتطرفة لا تختلف عن الدعوات الإسرائيلية المتطرفة إلى إقامة دولة خالصة لليهود، وطرد العرب، في إطار سياسة “الترانسفير”.

والمخاوف الكامنة المترتبة على ذلك هي تكريس “العقلية القائمة على”الكراهية” داخل حكومة مودي التي تضم أصواتا هندوسية متطرفة، بما يعزز الاختلافات بين المجتمعات والشرائح الدينية من السكان تنذر باشتعال أعمال عنف يدفع ضريبتها مسلمو الهند البالغ عددهم نحو 200 مليون نسمة من إجمالي عدد سكان الهند البالغ مليارا و300 مليون نسمة