فتبسم ضاحكا من قولها

﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا ﴾

تبسَّم سليمان ـ عليه السلام ـ بالبسمة التي تتصل بالضحك لماذا؟ لأنه سمعها قبل أنْ يصل إليها، ولأنها رأتْ قبل أن يأتي المرئي، وقد تكلم البعض في هذه المسألة فقالوا: إن الريح نقلتْ إليه مقالة النملة، وهو ما يزال بعيداً عنها، وهذا الكلام يُقبل لو أن المسألة (ميكانيكا) إنما هي عمل رب وقدرة خالق مُنعِم ينعم بما يشاء.

ونطق قائلاً { رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ } [النمل: 19] أي: امنعني أنْ أغفل، أو أنْ أنسى هذه النِّعم، فأظل شاكراً حامداً لك على الدوام؛ لأن هذه النعَم فاقتْ ما أنعمت به على عامة الخَلْق، وفوق ما أنعمتُ به على إخواني من الأنبياء السابقين، و على كل ملوك الدنيا؛ لأنه عليه السلام جمع بين الملْك والنُّبوة، وإنْ كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليه الملْك فرفضه، وآثر أن يكون عبداً رسولاً.

لذلك وجب على كل صاحب نعمة أنْ يستقبلها بحمد الله وشكْره، وسبق أنْ قُلْنا في قوله تعالى:
{  ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ }
[التكاثر: 8] أن حق النعمة أن تحمد المنعم عليها، فلا تُسأل عنها يوم القيامة.

وما أشبه الحمد على النعمة بما يُسمُّونه عندنا في الريف (الرقوبة)، وهي بيضة تضعها ربَّة المنزل في مكان أمين يصلح عُشَّا يبيض فيه الدجاج، فإذا رأتْ الدجاجة هذه البيضة جاءتْ فباضتْ عليها، وهكذا شكر الله وحمده على النعم هو النواة التي يتجمع عليها المزيد من نِعَم الله.

وقد شُرح هذا المعنى في قوله سبحانه:
{  لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ }
[إبراهيم: 7] ألاَ ترى أن مَنْ علم علماً فعلم به أورثه الله علم ما لم يعلم؟ لماذا؟ لأنه ما دام عمل بعلمه، فهو مُؤْتمن على العلم؛ لذلك يزيده الله منه ويفتح له مغاليقه، على خلاف مَنْ عَلِم علماً ولم يعمل به، فإنَّ الله يسلبه نور العلم، فيغلق عليه، وتصدأ ذاكرته، وينسى ما تعلَّمه.

الابتسامة حدث عظيم. استحق أن يسجله القرآن. فلا تبخل بها على من حولك. تكسب بها ود القلوب وأجرا من علام الغيوب.