ما لا تعرفه عن الحملة التركية على الشمال السوري

بقلم هشام بوريشة

الجميع سمع عن التوغل العسكري التركي في الشمال السوري. و ليس منا من حار رأيه بين الاعلام المؤيد و المعارض للحملة.
و في هذا المقال سنتناول فقط جدوى العملية و اطارها الحالي، دون التطرق إلى الإطار السياسي و الإقليمي و الذي يمتد إلى سقوط الإمبراطورية العثمانية. وننوه ان كثرة هذه الإشاعات ناتجة عن الظروف الصعبة التي يمر بها أردوغان داخل تركيا، و محاولة اسقاطه من طرف المعارضة الداخلية سواءا العلمانية منها او الدينية المتمثلة في جماعة فتح الله غولان. و كذلك الانقسام الداخلي الذي يشهده حزب العدالة والتنمية التركي. و كذلك القوى الكبرى العالمية التي ترى في تركيا منافسا لا شريكا.

وتبقى الطريقة الوحيدة لاستعادة توازن أردوغان في الداخل هو السياسة الخارجية نظرا لارتباطه المباشر بالشؤون الداخلية. و يبقى في مقدمة هذه المواضيع الحالة الاقتصادية المتدبدبة و ملف المهاجرين السوريين.
و لكن هناك إجماع للشعب التركي حول حل المسألة السورية و ووقف تدفق اللاجئين و المهاجرين. و كذلك فإن أغلبية الشعب التركي لا يعترفون بدولة كردية تتواجد جنوب تركيا. لوعيه بما سيحدث اذا قامت هذه الدولة و توسعت في الجنوب.
و لكن ما الذي شجع الأكراد للمطالبة بدولة مستقلة؟ انها عوامل عدة منها امتلاكهم للسلاح، و الدعم الغربي و الإسرائيلي. و الرغبة في قيام كيان منفصل ينتهي بدولة كردية منسجمة مع كردستان العراق.
و بالرجوع للغاية من هذه الحملة العسكرية. فهو إرادة أردوغان إنهاء الوجود الكردي في جنوب تركيا على طول الحدود مع سوريا. لكن تبقى مجموعة من الأسئلة تتبادر إلى الأذهان وهي التي تشوش الرؤية على المتابع العربي بالخصوص.
أين تقع هذه الحملة العسكرية التركية ؟
انطلقت الحملة العسكرية التركية ” نبع السلام” على طول الشمال السوري. و المنطقة العسكرية للأكراد تضم اكبر قوة عسكرية للأكراد تحت اسم قوات سوريا الديمقراطية التي تتواصل مع الأكراد داخل تركيا عن طريق حزب العمال الكردستاني. و يوجد تنسيق كبير بينهم لتثبيت وضعهم. كما شهدت هذه المنطقة في السابق تواجد قوات أمريكية و بعض حلفاءها الاروبيين منذ قيام الحرب الدولية ضد داعش. و هي نفسها التي اسست كيان قوات سوريا الديمقراطية و دربتهم و دعمتهم ماليا و عسكريا.
و بفضل هذا الدعم استطاعت قوات سوريا الديمقراطية ان تصمد امام تنظيم الدولة. و بعد هزيمته في شمال سوريا من خلال الضربات الجوية الأمريكية و الفرنسية. سيطرت قوات سوريا الديمقراطية و فتحت الباب لحزب العمال الكردستاني داخل تركيا. و أصبحت لديهم قوة و تواجد عسكري مهم في تلك المنطقة. و فعليا منذ ثلاث سنوات و أردوغان يعمل على إقناع ترامب بضرورة انسحاب القوات العسكرية الأمريكية وهو ما حصل هذه المرة.
كما يتبادر إلى اذهاننا تساؤل عن الأكراد و دورهم في الثورة السورية وهل هو كيان مناضل ام محايد و هل يتدخل في الشؤون السورية؟
نجد ان الأكراد حاولوا تأسيس دولة لهم في جنوب تركيا. تكوينها و طريقة تاسيسها، أرادوا ان يكون بنفس اسلوب إسرائيل. حيث الاعتماد كليا على الدعم الغربي المتمثل في اسرلئيل و الولايات المتحدة الأمريكية و فرنسا. الا انهم لا يعتمدون نظاما عقديا شبيها بالكيان الاسرائيلي. و مع ذلك فهم لا يتهاونون بدورهم في خدمة أمريكا و إسرائيل داخل سوريا. كما أنهم استغلوا مسألة عدم الاهتمام بهم و المعرفة بهم جيدا و عدم التركيز معهم. فقاموا بعمليات تطهير عرقية ضد المسلمين السنة. و قد كانت هذه العملية واسعة النطاق في شمال سوريا. و الهدف هو تفريغها من السوريين مثلما قام بذلك بشار مع سكان حمص و حلب و هجر الأهالي من ديارهم.
بل و مُسحت قراهم من على وجه الأرض و ذلك موثق في تقارير لمنظمة العفو الدولية بين الأعوام 2015 – 2017. حيث هدموا القرى العربية بالكامل، هجّروا أهلها وأطلقوا على باقي القرى والمدن أسماء كردية، مثلا (رأس العين أصبحت سري كانيه) (تل أبيض أصبحت درباس بيه).
وأصبحت اللغة الكردية لغة رسمية للبلاد، وإذا أراد أي مواطن سوري من مواليد المحافظات الأخرى مثل حلب أو دمشق القدوم إلى المناطق الكردية لا يمكنه ذلك إلا اذا أتى بكفيل كردي يكفله. وبدأوا بسحب الشباب بالقوة إلى الخدمة الإلزامية بجيش الدولة الكردية الجديدة.
كما أن قوات سوريا الديموقراطية تعد مستودع أمريكا لاستقطاب عناصر اليمين المتطرف الذين تكون غايتهم قتل المسلمين بالشرق الأوسط. فتتم العملية بالتقدم كمتطوع في قوات سوريا الديمقراطية التابعة للأكراد ، وخاصة ايام الحرب ضذ تنظيم داعش. حيث شكلت هذه المجموعة مكونا أساسيا لقوات الأكراد. بل و لديهم الان تشكيل خاص من الأجانب.
و الفظيع في الأمر أن قوات سوريا الديمقراطية اسرت أكثر من 100 الف امرأة و طفل ايام المعارك ضد تنظيم الدولة ولا يعرف مصير اغلبهم.
وهذه من الأسباب التي جعلت من السوريين ينزحوا من الشمال نحو إدلب. انه كيان يقوم بعملية تطهير عرقي واضحة و لا يهمه إلا تحقيق غايته و هي قيام الدولة الكردية. ولو كلف الأمر بالتعامل مع إسرائيل و أمريكا و بشار. و لو حتم الأمر عليهم قضاء مصالح الآخرين على حساب أرواح الشعب السوري. المهم في الموضوع هو قيام الدولة الكردية.
هناك اسئلة تستغلها أروبا لاثارة حفيظة العالم ضد أردوغان وهي متعلقة بالخسائر البشرية و إحياء تنظيم داعش. و الإجابة هي النفي. لانه لا يمكن لأردوغان فعل ذلك، فقبل قيام الحملة العسكرية التركية كانت هناك اتفاقية مع ترامب لايمكن اختراقها مع تواجد المعارضة أيضا في تركيا و التي تنتظر اي خطأ من اردوغان للاطاحة به. إلى جانب ان داعش كتنظيم قد يشكل خطرا على تركيا و امنها.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يجب أن يطرح ماهي أهمية هذه الحرب بالنسبة للسوريين؟
إذا نظرنا إلى خريطة المنطقة المتبقاة من الثورة السورية ” ادلب”. فهذه المنطقة هي الوحيدة التي تضم كل السوريين السنة المؤيدين للثورة إلى جانب مناطق نزوح متواجدة في الجنوب قرب العراق.
وهذه المنطقة محيطة بالكامل من الشرق و الغرب و الجنوب بقوات روسيا و بشار و إيران و من هنا يعتبر المتنفس الوحيد للسوريين هو شمال سوريا. لكن محاولة الأتراك السيطرة على الشمال فشلت في الوهلة الأولى للتواجد الأمريكي حينئذ. حيث قطع الأكراد كل الإمدادات و المعونات من جهة الشمال مستغلين التواجد الأمريكي و فزاعة داعش و الإرهاب.

من هنا نستنتج ان الحملة العسكرية التركية ” نبع السلام” لو نجحت ستساهم في وصول الإمدادات و المساعدات لإدلب من تركيا من جهة. إنقاذ الملايين من البشر. كما ستساهم في انتشار السوريين في شمال سوريا و ارجاع البعض إلى مناطقهم التي هجروا منها. و هناك هدف إرجاع آلاف من السوريين المقيمين بطريقة غير شرعية في تركيا إلى بلادهم وهذا في حد ذاته تقدم إيجابي في سبيل إيجاد حل للقضية السورية. لأن هذا سيقوي موقف أردوغان داخليا ضد المعارضة التي تستغل هذا الملف من أجل أهداف سياسية قد تمس بالسلم الاجتماعي و التعايش.